قال (اهدنا الصراط المستقيم) فكأن الذهن طلب معرفة ما إذا كان هذا الصراط مختصًا بنا أم سلكه غيرنا ممن هداه الله عز وجل فقال (صراط الذين أنعمت عليهم) فلستم وحدكم على هذا الصراط وإنما سلكه سالكون قبلكم، وهذا كما إذا دللت رجلًا على طريق ليسلكها، ثم قلت له بعد ذلك لتؤكد له صحة هذه الطريق وتحرضه على سلوكها فتقول لهذا الإنسان: هذه الطريق الموصلة إلى مقصودك، ثم زدته توكيدًا فقلت: وهي الطريق التي سلكها الناس والمسافرون وأهل النجاة، ومعلوم أن النفوس في طبيعتها مجبولة على التأسي والمتابعة، ولذلك قيل: إن الناس كأسراب القطا جبلوا على تشبه بعضهم ببعض.
فإذا عرف الإنسان أن هذا الطريق والمسلك أو أن هذا العمل ولو كان فيه ما فيه من المشقات قد عمله أناس قبله وسلكه سالكون قبله حتى قطعوه وبلغوا غايتهم ومقصودهم فإن ذلك يخفف عليه ويتسلى به، بل حتى الأوجاع والأمراض قد يتسلى الإنسان بما يصيب الآخرين، فيقال: هذا المرض بعينه قد أصاب فلان، وهذا الأذى بعينه قد وقع لفلان، فيخف عليه وطأة ذلك ويتسرى به مع أنه لا يناله شيء من جراء هذا الخبر أو من إصابة فلان من الناس بهذا المرض والعلة، لكن النفوس جبلت على ذلك فيتعزى به كما قالت الخنساء:
ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
فالنفس تأنس بذلك وتتأسى به.
وهذه الآية على كل حال (صراط الذين أنعمت عليهم) تفصيل بعد الإجمال السابق في الآية التي قبلها، فالآية التي قبلها (اهدنا الصراط المستقيم) ما هذا الصراط المستقيم؟ قال (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم) فأجمل أولًا ثم فصل.
ولا شك أن التفصيل بعد الإجمال أنه أدعى لحضور الذهن فيتشوف السامع إلى هذا البيان الذي يحصل به ويتلقاه بقلب مشغوف بمعرفته وسماعه.
وهنا سؤال، وهو أن يقال: لماذا أضاف الصراط إلى الموصول المبهم (صراط الذين) ؟ الذين اسم موصول، فلماذا أضافه إليه فقال (صراط الذين أنعمت عليهم) ولم يقل مثلًا: اهدنا الصراط المستقيم صراط النبيين مثلًا؟ من هم هؤلاء المنعم عليهم؟
هم كما جاء في قوله تبارك وتعالى (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا) فهؤلاء هم المنعم عليهم في هذه الآية، فلماذا لم يقل مثلًا: اهدنا الصراط المستقيم صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين مثلًا؟ أو يختصر ذلك فيقول: اهدنا الصراط المستقيم صراط النبيين؟ فلماذا ربطه بهذا الاسم الموصول (صراط الذين) ؟ فذكر الصفة
(صراط الذين أنعمت عليهم) ؟
فيقال في الجواب عن ذلك أنه من ثلاثة أوجه:
الأول: لإحضار الذهن عند سماع هذا، وذلك بأن استحقاق كونه من المنعم عليهم إنما هو بهدايتهم إلى هذا الصراط، ليفهم السامع لماذا أُنعِم عليهم؟ ما وجه هذا الإنعام؟ لماذا استحقوا هذا الوصف؟ لأنهم سلكوا الصراط المستقيم، لسلوكهم الصراط المستقيم، لا لنسب بينهم وبين الله، ولا محاباة لهم، وإنما ذلك لكونهم ممن سلكوا الطريق المستقيمة الصحيحة، وأعرضوا عن الطريق المعوجة.