فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 94

والأمر الثاني: أن فيه إشارة إلى نبذ التقليد، فالله عز وجل لم يربطهم بالأفراد، بالأشخاص، بالأسماء، وإنما ربطهم بالأوصاف (صراط الذين أنعمت عليهم) وهم السالكون على الصراط المستقيم، وهذا هو الواجب على كل مسلم أن لا يعلق قلبه ونفسه ونظره بفلان من الناس، فيفعل ما فعل ويمتثل ما أمر ويقول بقوله، ثم بعد ذلك قد يتغير هذا الإنسان، وقد يختم له بخاتمة غير حسنة فيكون ذلك سببًا لضلال هذا الإنسان التابع، أو يكون سببًا لإحباط يقع في نفسه، فلربما ينكسر وييأس ويبتئس من الوصول إلى غايته ومطلوبه، هذا الإنسان القدوة الكبير الذي اقتدى به وصار يتبعه حصل له انحراف لأنه ارتبط بذاته، وإذا ارتبط الإنسان بالذوات فإنه ينحرف بانحرافها، ويكون تعلقه بها تعلقًا غير متزن، ومن ثم فإن ذلك يصاحبه التعصب لها والمدافعة عنها بالحق والباطل، وكأنما خلق من أجل ذلك، فيستميت في هذا، فهو في كل مجلس وفي كل ناد ليس له هم ولا شغل إلا أن فلان مصيب أو مخطئ هو يحب فلان أو يبغضه، أو رأيه كذا وقوله كذا، فهو يعتذر له في الأخطاء الواضحة ويؤول ذلك ويحمل ذلك على المحامل الصعبة من أجل أن لا يوصف بخطأٍ أو انحراف.

وهذا لا شك أن هذا خطأ وإنما العبرة بسلوك الصراط، فمن كان سالكًا للصراط المستقيم فهو على هدى، ومن انحرف عنه فهو منحرف سواء كان ذلك الانحراف قليلًا أو كثيرًا، فمن حاد عنه لم يتبع، هذا مع العلم أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عصمهم الله عز وجل من الانحراف عن الصراط المستقيم، فهم أئمة الهدى، وهم القدوات الكاملة التي يجب الاقتداء بهم ظاهرًا وباطنًا، قولًا وعملًا، يقتدى بهم في سمتهم وأخلاقهم وأعمالهم وفي كل شأن من شؤونهم عليهم الصلاة والسلام فهم أكمل الذوات وأخلاقهم أكمل الأخلاق وأفعالهم أكمل الأفعال.

ولكن يمكن أن يؤخذ من هذا، هذا الملحظ التربوي وهو أننا لا نرتبط بالأشخاص لذاتهم وإنما نرتبط بهم لمعنىً قام بهم وهو سلوك الصراط المستقيم، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم ألزم الناس لجادة الصواب، وللصراط المستقيم، فالله هو الذي يسددهم ويهديهم ويقوم سلوكهم على هذا الطريق، فهم أئمة السالكين عليهم الصلاة والسلام.

والأمر الثالث: مما يستفاد من هذه الإضافة إلى الاسم الموصول (صراط الذين) هو أن الآية بهذا الاعتبار تكون عامة في جميع طبقات المنعم عليهم، وليسوا الأنبياء فقط، فلو قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط النبيين مثلًا؛ فإن ذلك يكون مختصًا بهم، لكن حينما قال (صراط الذين أنعمت عليهم) فيدخل في ذلك جميع الأتباع، أتباع الأنبياء باختلاف أحوالهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فيدخل فيه أهل الصلاح كل بحسبه وكل بما فتح عليه في باب الإنفاق والصدقات وفي باب الجهاد في سبيل الله وفي باب العلم وفي باب الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما إلى ذلك.

فهؤلاء هم أهل الصراط المستقيم، وهم بكلهم وجماعتهم يمثلون الفرقة الناجية والطائفة المنصورة التي فيها هذه الطوائف جميعًا، ففيها أهل الحسبة، وفيها أهل الجهاد والنصرة، وفيها من يقومون على الفقراء والمساكين والأرامل والعجزة، وفيها من يقومون على العلم، وفيها من يقومون بالتعبد، قيام الليل وصيام النهار، وما إلى ذلك، فكل بما فتح الله عز وجل عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت