ومنهم من يبلغون دعوة الله عز وجل إلى العالمين.
وهنا فائدة: وهو أن الله عز وجل في هذه الآية أضاف الصراط هنا إلى من؟ أضافه إلى السالكين فقال
(صراط الذين أنعمت عليهم) .
ومعلوم أن الصراط تارة يضاف إلى الله في القرآن، وذلك أنه هو الذي نصبه ورسمه وأمر بسلوكه، كقوله تبارك وتعالى (وأن هذا صراطي) فأضافه إلى الياء، ياء المتكلم، أضافه إليه سبحانه وتعالى، وكقوله
(صراط الله) .
وتارة يضاف إلى العباد لأنهم السالكون له كقوله (صراط الذين أنعمت عليهم) في هذه الآية.
وهنا سؤال: وهو أن يقال: ما الحكمة من ذكر الرفيق على الصراط؟ لماذا لم نقل: اهدنا الصراط المستقيم دون أن نحتاج إلى أن نقول: (صراط الذين أنعمت عليهم) ما الحكمة في ذكر هؤلاء الرفقاء الذين سلكوا هذا الصراط؟ ما حكمة ذلك وما وجهه؟
يمكن أن يقال كما أشرت في الكلام السابق لما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس عنه ناكبون، وهو مريد لسلوك طريق مرافقه فيها في غاية القلة والنفوس مجبولة على الاستيحاش من التفرد وعلى الإنس بالرفيق، نبه تبارك وتعالى على الرفيق في هذا الطريق وهو نعم الرفيق، كأنه يقول: لا تستوحش يا عبدي من قلة السالكين ومن كثرة إعراض المعرضين عن هذه الصراط (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) ولكن هذا الطريق يسير فيه أو قد سار فيه معك أقوام هم خيار الناس، وهم فضلاء البشر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم، فهم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، فهم الذين أنعم الله عليهم من الأنبياء وأتباعهم وهم كثير على مختلف الأعصار والأزمان قد يقلون في وقت وفي زمن ويكثرون في آخر، ولكنهم بمجموعهم كثير، فإذا عرف العبد أنه يسلك طريقًا هؤلاء الأخيار هم السالكون فيها فإنه لا يتردد، ولا يستوحش، ويقول نحن قلة، نحن في هذه الطريق وأكثر الناس عنها ناكبون، فإنه يجترب على مواصلة السير فيها والصبر على الوحشة وما يصيبه من الأذى في سلوكه هذا، وبالتالي فإنه لا يكترث بهؤلاء من المخالفين والمعرضين، فهم الأقلون قدرًا وإن كانوا الأكثرين عددًا، كما قال بعض السلف رضي الله تعالى عنهم:"عليك بطريق الحق ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطريق الباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين"والذي ينبغي على العبد أنه كلما وقع في قلبه وحشة في سلوكه لهذا الصراط، وفي تفرده في جزئي من جزئياته أو في بعض تفاصيله، فإنه يتذكر دائمًا هذا الرفيق السابق ويحرص أن يلحق بهم ويغض الطرف عما سواهم.
وكما ذكرت لكم من قبل أيها الإخوان؛ بأن الصراط المستقيم طريق رسمه الله عز وجل، وهو كثير التفصيلات، فهو طريق واحد مستقيم فيه تفاصيل كثيرة، هي تفاصيل الشريعة، فقد يعرض كثير من الناس عن سلوك هذه الطريق أصلًا، كما قال الله عز وجل (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) وقد يسلكها آخرون ولكنهم يعرضون عن كثير من تفصيلاتها، بل لربما قد لا تجد في بعض تفصيلاتها من يسلك ذلك إلا الواحد بعد الواحد، إما لكثرة أهل البدع في بعض الأماكن، أو في بعض الأزمان، وإما لهجر بعض السنن؛ السنن المهجورة، يعني بعض العبادات قد يهجرها الناس فلا يعمل بذلك إلا الواحد بعد الواحد، فيكون من أراد أن