يعمل بهذا يكون مستوحشًا، أي أنه في غربة حتى بين إخوانه، لأنهم لا يفعلون ذلك، وهذا كثير في باب السلوك والأخلاق، وفي باب العمل والتعبد وفي غير ذلك من الأمور التي تكون من قبيل لزوم السنن ومجانبة البدع.
على سبيل المثال: لو أراد الإنسان أن يجعل لنفسه مسلكًا في الزهد والتقلل من الدنيا، فإنه سيستوحش مع أخص إخوانه من السالكين على هذا الصراط في عصرنا هذا، أليس كذلك؟ لو أراد الإنسان أن يحمل نفسه على ميزان منضبط في باب الورع، فيتورع من كثير من الأشياء التي لا يتورع منها الناس، فإن هذا الإنسان سيكون غريبًا مع أخص الناس الذين يسلكون هذا الصراط في عصرنا، بل لربما عابوه ولربما رأوا أن ذلك من قبيل التكلف، ولذلك نحن نشاهد حال كثير من الخيرين فضلًا عن غيرهم إذا حدثوا بأخبار السلف في باب التعبد أو في باب الورع أو في باب الإخلاص ومراقبة النية أو في باب اليقين أو غير ذلك؛ استغربه السامع، ولربما رأى أن ذلك من قبيل المبالغة وأن هذا لا يمكن أن يتحقق ويقع، أليس هذا لغربة الزمان ولكثرة الإعراض عن مثل هذه الأمور.
في باب التعبد لو أراد الإنسان أن يجعل لنفسه عبادة يسير عليها، فمثلًا: لو أراد الإنسان أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، وأن يقوم ثلث الليل في كل ليلة، وأن يختم في كل ثلاث، أما يكون ذلك غريبًا بين الناس في زماننا هذا؟ بل حتى في ترك المنكرات، لو أراد الإنسان أن يترك الغيبة قليلها وكثيرها، بتأويل وبغير تأويل، ومن اغتاب عنده أحد قام عنه، أو أسكته وأنكر عليه، كيف تكون حاله بين أخص إخوانه، أما يكون غريبًا؟ فتفاصيل الصراط أيها الإخوان قد يستوحش الإنسان من سلوكها للغربة التي تلاحقه عند فعل ذلك أو تركه، وهذه غربة محمودة ينبغي عليه أن يتأسى بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبالصديقين والشهداء والصالحين، فقد سلكوا هذا الطريق قبله، ولا يكترث بالغافلين، فالغفلة على مراتب كما لا يخفى.
وهنا فائدة: وهي أنه في هذه الآية (صراط الذين أنعمت عليهم) أسند النعمة إلى الله وحده (صراط الذين أنعمت) وذلك لأن الهداية - هداية التوفيق - هي إنعام محض من الله عز وجل، وهي شيء مختص به لا يملكه أحد سواه (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) فمن هداه الله عز وجل فهذا محض تفضل منه، لأن الهداية ملكه يعطيها من يشاء، ومن حرمه الله عز وجل الهدى، فإن هذا بمحض عدله جل جلاله (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم) أنعمت عليهم بسلوكها ولزومها والهداية إليها.
وأما الإنعام؛ فمعناه إيصال النعمة، والنعمة هي الحالة التي يستلذها الإنسان من لين العيش والدعة والمال وكل ما يستطيبه الإنسان ويستلذه فإنه يكون من قبيل الإنعام إذا كان ذلك لا غائلة فيه ولا ضرر، أما إذا كان ضارًا ولو استلذه الإنسان، فإنه لا يكون نعمة بل يكون نقمة، فباب الرزق أوسع من باب الإنعام.
الرزق ما يسديه الله عز وجل ويفيضه على خلقه، فما حصل في أيديهم فهو من رزق الله، ولكن منه ما هو حرام، ومنه ما هو حلال، ويجب على العبد أن يترك الحرام (لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها) فكل ما حصله الإنسان فهو رزق حصل في يده، لكن عليه أن يجتنب ما حرم الله عز وجل.
وأما النعمة؛ فإنها لا تكون نعمة إلا إذا تجردت من الغوائم، فهذا الذي يسرق لا يقال هذه السرقة نعمة، وإنما هو رزق حرام، وليس بنعمة بل هو نقمة هذا المال الذي حصل في يده، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (إنما هي