وإذا عدي بـ (إلى) : اهدنا إلى الصراط المستقيم، كقوله: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) وكقوله (فاهدوهم إلى صراط الجحيم) وكقوله أيضًا (اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم) فبعض أهل العلم يقولون إذا عديت بإلى فهي بمعنى الإرشاد والدلالة: (إنك لتهدي إلى صراط مستقيم) أي تهدي هداية دلالة وإرشاد إلى الصراط المستقيم (فاهدوهم إلى صراط الجحيم) يعني دلوهوم وجهوهم أرشدوهم إلى طريق النار.
وإذا عديت بـ (اللام) ، عدي فعل الهداية باللام: هداه لكذا، فيكون المعنى عند بعض أهل العلم: أي وفقنا له؛ لهذا الشيء واجعلنا له أهلًا، كقوله تبارك وتعالى (الحمد لله الذي هدانا لهذا) هذا أهل الجنة (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) فيقولون ذلك بعد ما يعاينون الحقائق، ويدخلون الجنة، ويعلمون صدق ما جاءت به الرسل صلى الله عليهم وسلم يكونون بذلك يصلون به إلى حق اليقين، مرتبة حق اليقين حينما يكونون في بحبوحة الجنة، فيصلون إلى هذه المرتبة ويقولون (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) فهذه الهداية بمعنى التوفيق (الحمد لله الذي هدانا لهذا) بمعنى وفقنا إليه وجعلنا من سالكيه.
وبعض أهل العلم يقولون إذا عدي بـ (إلى) فمعناه الإيصال إلى الغاية، تقول: هديته إلى المكان الفلاني، هديته إليه.
والأقرب والله أعلم أنها بمعنى الدلالة والإرشاد.
ويقول هؤلاء بأنه إذا عدي باللام يدل على التخصيص، وأما إذا عدي بنفسه يقولون يتضمن جميع هذه المعاني، وهذا أقرب الأخير، إذا عدي بنفسه فإنه يتضمن الإرشاد والتوفيق.
انظر إلى قوله تبارك وتعالى (وهديناه النجدين) هل هذا بمعنى التوفيق خاصة؟ ليس ذلك بقاطع وإنما (هديناه النجدين) بينا له طريق الخير وبينا له طريق الشر.
(الحمد لله الذي هدانا لهذا) يعني دلنا عليه ووفقنا لاتباعه، فهذا كله مضمن فيه (اهدنا الصراط المستقيم) يتضمن هذا وهذا، بمعنى (اهدنا الصراط المستقيم) أي دلنا عليه.
وعرفنا نحن لماذا نسأل الصراط المستقيم، وما شرحته لكم في المرة الماضية من الأمور الداخلة تحت هذا الدعاء يظهر بها هذا المعنى؛ أن من ضمن هذه الهدايات [الصراط المستقيم] :
العلم بتفاصيل الصراط، وهذا من هداية الإرشاد وهو أيضًا من هداية التوفيق، يوفق الإنسان للصواب، ويرشد إلى معرفة الحق، وذلك بما جاءت به الرسل، بمعرفة ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، فقولك (اهدنا الصراط المستقيم) يتضمن سؤال الأمرين: وهو سؤال هداية الإرشاد؛ بمعنى أنك تسأل ربك أن يدلك على تفاصيل هذا الصراط، وأن يوفقك للصواب فتعرف الحق، وأن يوفقك للعمل به واتباعه، وأن يوفقك للثبات عليه، وأن يميتك على ذلك، وأن يلهمك الصواب والجواب الذي تنجو به عند سؤال الملكين.
وهكذا أيضًا إذا بُعث الإنسان فإنه عند الحساب يلقن حجته عند محاسبة الله عز وجل، وكذلك أيضًا يهدى إلى الصراط الذي على جسر جهنم، ويهدى عليه أيضًا فلا ينحرف يمنة ويسرة، ومعلوم أن الناس في الأصل يكون سيرهم على الصراط الذي على جسر جهنم كسيرهم على الصراط في هذه الدنيا، وهو اتباع الكتاب