فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 94

نقول: نعم، نصر الإسلام لا يتحقق إلا بإهلاكهم وتدميرهم، ونحن ندعو الله عز وجل صباح مساء عليهم بذلك، وجبريل عليهم الصلاة والسلام كان يأخذ من وحل البحر ويضع في فم فرعون مخافة أن تدركه الرحمة، وقد تكلمت على هذا المعنى في بعض المناسبات ردًا على بعض الكتاب الذين يكتبون في بعض الصحف، وقد كثرت هذه الكتابات وتكررت في هذه الأيام.

فعلى كل حال: ويمكن أن يقال إن في فاعل الغضب (غير المغضوب) ما ذكر الفاعل، من الذي غضب؟ فيه إشعار بإهانة المغضوب عليهم.

ويمكن أن يقال: إن الإنعام بالهداية يستلزم شكر المُنعِم، وأصل الشكر هو ذكر المُنعِم والعمل بطاعته، وكان من شكره إبراز الضمير المتضمن لذكره (أنعمت) ما تغفله، فإذا أغفلته فإن ذلك لا يتناسب مع إنعامه، والقاعدة: أن العرب تضيف الفعل إلى من وجد منه وإن كان مسببه غير الذي وجد منه أحيانًا وأحيانًا إلى مسببه، وإن كان الذي وجد منه الفعل غيره، مثل لما تقول مثلًا: أنبت المطر الزرع، فالمطر سبب، والمنبت هو من؟ هو الله، فأضفت الإنبات إلى المطر وهو سبب، والمسبب هو الله عز وجل.

وأحيانًا تضيفه إلى الفاعل حقيقة وهو الله عز وجل، فتقول: أنبت الله الزرع، تقول: فلان أفناه كر الليل والنهار، الذي أفناه هو الله عز وجل، لكن كر الليل والنهار كان سببًا في هرمه وضعفه وتلاشي أيامه، فأضفته إلى السبب فقط.

فائدة تاسعة: الآية (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) في هذه الآيات لاحظ الأوصاف الأربعة: الهداية (اهدنا الصراط المستقيم) (صراط الذين أنعمت عليهم) الإنعام (غير المغضوب عليهم) أهل الغضب (ولا الضالين) أهل الضلال.

فعندنا أهل هدىً وإنعام، وأهل ضلال وغضب، فقابل بين هؤلاء وبين هؤلاء، فأهل الإنعام قد جانبوا طريق أهل الغضب وأهل الضلال وتخلصوا من ذلك كله، فليسوا بأهل ضلال وليسوا بأهل غضب، وهذا الاقتران والتقابل كثير في القرآن، فالله عز وجل يقابل أحيانًا بين أوصاف أهل الجنة وأوصاف أهل النار، ويقارن أيضًا بين نعيم هؤلاء وبين عذاب هؤلاء ويقابل بين ذلك، وتارة يقرن الله عز وجل بعض الأوصاف مع بعضها فكما قرن الله عز وجل بين الهدى والفلاح، كما في قوله (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) في سورة البقرة، وقرن أيضًا بين الهدى والأمن كما في قوله (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) وقرن بين الضلال والشقاء (إن المجرمين في ضلال وسعر) وقال (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) وجمع بين الأربعة بقوله (فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكى ونحشره يوم القيامة أعمى) وفي الآية الأخرى (فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكى) وفي الآية الأخرى (فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) .

الفائدة العاشرة: في وجه تقديم المغضوب عليهم على الضالين، لماذا قدم المغضوب عليهم على الضالين؟

يمكن أن يقال: لأنهم الأقدم زمنًا، فاليهود قبل النصارى، ويمكن للقرب المكاني، اليهود أقرب إلى المسلمين، النصارى كانوا في نجران وفي الشام وفي الحبشة إبان مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - وأما اليهود فكانوا جيرانًا لهم في المدينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت