اليهود أهل غضب والنصارى أهل ضلال، وبعد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - وتحققهم من نبوته صاروا يجمعون بين الغضب وبين الضلال، فليسوا على بصيرة في دينهم أصلًا، فهم يعبدون عيسى عليه الصلاة والسلام ويقولون الله ثالث ثلاثة، ويقولون إن عيسى قد صلب ويعبدون الصليب ويقدسونه، وجعلوا ذلك شعارًا لهم، والله عز وجل يقول: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) شبه لهم: أي شبه عيسى برجل آخر، فظن اليهود أنه عيسى فقتلوه.
والمعنى الثاني: (ولكن شبه لهم) وهو اختيار ابن حزم (شبه لهم) أي شبه للنصارى ولبس عليهم بإشاعة أطلقها اليهود أنهم قتلوا عيسى فما تحقق النصارى من ذلك (وما قتلوه يقينًا) ما قتلوا المسألة درسًا وبحثًا وتحريًا وتثبتًا، والمعنى الأول أرجح.
والمقصود أن النصارى أهل ضلال وأنهم أهل غضب بعد مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا يظن ظان أن الغضب مختص باليهود، بل حتى هؤلاء النصارى.
الفائدة الرابعة: وهي أنه جاء وصف اليهود بالغضب في مواضع من كتاب الله عز وجل، كقوله (وباءوا بغضب من الله) وكقوله (فباءوا بغضب على غضب) وكقوله (قل هل أنبئكم بشر من لك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت) وقال (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة) وقال (ألم تر إلى الذين تولوا قومًا غضب الله عليهم) يعني أن المنافقين تولوا قومًا من اليهود (غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم) يعني تولوا بني النضير (تولوا قومًا غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم) .
الفائدة الخامسة: وهي أن الناس بالنسبة لمعرفة الحق والعمل به على ثلاثة أقسام:
قسم عرفوا الحق وعملوا به، فهؤلاء هم أهل الصراط المستقيم.
وقسم عرفوا الحق ولم يعملوا به، فهؤلاء هم أهل الغضب.
وقسم لم يعرفوا الحق وضلوا عنه فهؤلاء هم أهل الضلال.
والعبد لا يخرج عن واحد من هذه الأقسام، وقد يكون في بعض شؤونه يصدق عليه هذها الوصف، بمعنى أن الإنسان لغلبة هوى أو شهوة أو رئاسة أو معيشة من هذا الباطل، قد يعرف الحق ولا يتبعه، فيكون تلك المعرفة وذلك العلم يكون شاهدًا عليه.
وقد يكون الإنسان جاهلًا، يعمل بجهل، ولا يرفع رأسًا للعلم، ولا يسأل، بل لربما أنكر على من يسأل، لئلا يتورط كما يزعم، فهو يحب أن يعمل كيف ما اتفق، فهذا يخشى عليه أن يكون من أهل الضلال.
فالواجب على العبد أن يتعلم، وأن يعرف الحق بدليله، وأن يعمل بما علم.
فنحن في مجالس العلم نتعلم، ولكن ينبغي علينا أن نعمل بما علمنا، فهذا هو الكمال، وإنما يقصد بالعلم العمل، ولهذا لو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله أحبار اليهود، ولو نفع العمل بلا علم لما ذم الله رهبان النصارى.
وعالم بعلمه لم يعملا ... معذب من قبل أصحاب الوثن