الأولى: أن الله فرق بين الطريقين (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) ليجتنب كل واحد منهما، فإن طريق أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق، والعمل به، لا بد من العلم، ولا بد من العمل، لا يمكن للإنسان أن يسلك الصراط المستقيم وهو لا يعرفها، وقد يعرف الصراط المستقيم ولا يعمل بها ولا يكون سالكًا لها، فلا يكون من أهلها، فاليهود نقصهم العمل، كانوا يعلمون لا ينقصهم العلم، فصاروا من أهل الغضب، وإذا ذكر الغضب اتجه لليهود مباشرة، وأما النصارى فإنه نقصهم العلم، ومن ثم عملوا على باطل وخطأ من غير بصيرة، فعبدوا الله عز وجل على جهل فصاروا أهل ابتداع وضلال.
الفائدة الثانية: وهي أن الله وصف صراط المنعم عليهم بقوله (غير المغضوب عليهم) لتأكيد كمال صراط المنعم عليهم، وذلك لأن الصفات السلبية، يعني التي تكون من قبيل النفي، يؤتى بها لإثبات كمال ضدها، فما معنى هذا الكلام؟ (صراط الذين أنعمت عليهم) هذا متحقق لهم كمال الإنعام بهذا الإثبات (غير المغضوب عليهم) هو بدعائه هذا ينفي إرادة طريق أهل الغضب وأهل الضلال، فإذا كان هذا من قبيل النفي (غير المغضوب عليهم) فإن هذا يتضمن ثبوت الرضى لأهل الصراط المستقيم وهم المنعم عليهم، فأهل الإنعام من أهل الصراط المستقيم هم أهل الرضى، لأن غيرهم ممن عرفوه ولم يسلكوه هم أهل الغضب، وكذلك في قوله (ولا الضالين) فنفي الضلال هنا، أو نفي إرادة طريق الضالين يدل على ثبوت معنى ً لصراط المنعم عليهم، وهو أنها صراط أهل الجادة السوية الذين ساروا على بصيرة وعلى هدى وليسوا على ضلال، فهذا فيه إثبات كمال هداية أهل الصراط المستقيم، وفيه إثبات أن هذه الطريق هي الطريق التي يرضاها الله عز وجل تمام الرضى ويرضى عن سالكيها، ومن جانبها فهو دائر بين الغضب والضلال نسال الله العافية.
والفائدة الثالثة: وهي ما المراد بالمغضوب عليهم وبالضالين في الآية؟
فسرها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإذا فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا من القرآن فلا حاجة لقول قائل معه، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - بين لنا أن المغضوب عليهم هم: اليهود، وأن الضالين هم: النصارى.
فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي بإسناد صحيح من حديث عدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال في قوله (غير المغضوب عليهم) قال:"هم اليهود" (ولا الضالين) قال:"هم النصارى".
وجاء نحوه من حديث أبي ذر مرفوعًا وقد رواه الإمام أحمد رحمه الله في مسنده وحسن إسناده الحافظ ابن حجر.
وقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر:"أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين، فلقي عالمًا من اليهود، فسأله عن دينهم، فقال: إني لعليَّ أن أدين دينكم فأخبرني، فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله"هذا عالم من علماء اليهود، قال:"ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئًا أبدًا، وأنَّا أستطيعه، فهل تدلني على غيره، قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا ولا يعبد إلا الله، فخرج فلقي عالمًا من النصارى، فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من لعنة الله، قال: ما أفر إلا من لعنة الله ..."إلى آخر الحديث.