فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 94

وعلى كل حال (لا) هذه (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) تفيد توكيد النفي، لئلا يتوهم أنه معطوف على (الذين أنعمت عليهم) .

والحاصل أن فائدة مجيء (لا) تأكيد النفي، وبيان أن المراد المغايرة الواقعة بين النوعين، وبين كل نوع بمفرده أيضًا، فلو لم يذكر (لا) وقال: غير المغضوب عليهم والضالين، لأوهم أن المراد ما غاير المجموع المركب من النوعين، لا ما غاير كل نوع بمفرده، وأمر ثالث في فائدة مجيء (لا) هو رفع توهم أن

(الضالين) وصف للمغضوب عليهم، يعني لو قال: غير المغضوب عليهم والضالين، فيمكن أن يفهم أحد أن الضالين صفة للمغضوب عليهم، غير المغضوب عليهم والضالين، أنهم اتصفوا بالغضب والضلال، وليس هذا هو المراد، وإنما المراد (غير المغضوب عليهم) فهم طائفة (ولا الضالين) فهم طائفة أخرى.

و (الضالين) هنا ما معنى الضلال؟

الضلال هو الذهاب عن حقيقة الشيء مطلقًا في أصل معناه اللغوي، وبالتالي: فالناسي يقال له: ضال، كما قال الله عز وجل (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) تضل عن الشيء بمعنى أنها تسهو عنه ويغيب عن ذهنها، يذهب المعلوم، النسيان هو ذهاب المعلوم من الذهن، هذا هو النسيان، والسهو يكون للعلم في الذهن اكتنان، فهو موجود لكن يحتاج إلى مجرد تنبيه، أما النسيان فهو ذهاب ما علم وارتفاعه من الذهن وتلاشيه يقال له النسيان.

ويطلق على غياب الشيء، فإذا غيبت شيئًا في وسط الأرض مثلًا، دفنته يقال: إنك قد أضللته، كما قال الله عز وجل (وقالوا أإذا ضللنا في الأرض) يعني أإذا ذهبنا وتلاشينا وفنيت أجسادنا وأبعاضنا واضمحلت الأرض، أكلتها الأرض، فسموا ذلك ضلالًا.

ألم تسأل فتخبرك الديار ... عن الحي المضلل أين ساروا

الديار هي ما بقي من مساكن القوم، والأماكن التي كانوا يرجعون إليها يقال لها دار، يذهبون وينتشرون ثم يرجعون إلى مساكنهم يقال لها دار، فهذه تلاشت، ذهب أهلها واضمحلوا وماتوا وأفناهم الله عز وجل، فهذا يقول:

ألم تسأل فتخبرك الديار عن الحي المضلل، الحي أهل هذه البلدة مثلًا، عن الحي المضلل أين ساروا، هو يتسائل يقول: اين فنوا وذهبوا وتلاشوا واضمحلوا من الوجود، أين هم؟

وكذلك يقال للدفن يقال له: ضلال، كما قال الشاعر:

فآبا مضلوه بعينٍ جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل

هذا رجل كريك شهم جواد دفن في منطقة الجولان المعروفة بالشام، فهذا يخبر عن موته وأنه موت محقق وليس مجرد إشاعة، يقول: فآبا مضلوه، أي دافنوه، رجعوا.

فآبا مضلوه بعينٍ جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل

يعني رجل من الأجواد الذين يصل نوالهم إلى الناس، يعني عطاؤهم وكرمهم وإفضالهم وسخاؤهم، مضلوه يعني: رجع دافنوه، هذا معناه.

وهذه الآية نأخذ منها بعض الفوائد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت