فهذه الآية من سورة الفاتحة (صراط الذين أنعمت عليهم) تفسر بقوله (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا) وتفسر بقوله أيضًا (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وبكيًا) .
(صراط الذين أنعمت عليهم) وفي قوله (عليهم) فيها عشر لغات في كلام العرب وقد قرئ بعامتها بأكثرها.
وقد استدل بهذه الآية بعض العلماء واستنبطوا منها صحة إمامة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، وما وجه ذلك؟ كيف يستنبط من هذه الآية صحة إمامة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -؟ ما وجه ذلك؟
يقال: نحن مأمورون بسؤال الله عز وجل أن يسلك بنا طريق هؤلاء، وقد شهد الله عز وجل لهم بالاستقامة ولزوم الصراط المستقيم، وقرنهم بالأنبياء والشهداء، فأبو بكر - رضي الله عنه - إذا ذكر الصديق ينصرف إليه مباشرة، ونحن نسأل ربنا أن يسلك بنا طريق النبيين والصديقين، وأبو بكر - رضي الله عنه - هو رأسٌ في الصديقين، فهذا يدل على صحة مسلكه وعمله وأنه ممن هداهم الله عز وجل إلى الصراط المستقيم.
ثم بعد ذلك قال (غير المغضوب عليهم) وقوله (غير) فيها قراءتان متواترتان:
القراءة الأولى بالجر (غيرِ المغضوب عليهم) وبها قرأ الجمهور من القراء، وبهذا الاعتبار يمكن أن تكون نعتًا للذين (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين) فنعتهم لأنهم غير المغضوب عليهم.
ويمكن أن تكون بدلًا من (الذين) (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين) ثم قال (غير المغضوب عليهم) (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم) فتكون بدلًا وهذا فيه نظر.
أو تكون بدلًا من قوله (عليهم) من الهاء في قوله (عليهم) (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم) .
والقراءة الثانية بالنصب (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غيرَ المغضوب عليهم) (غيرَ) بالنصب، وهي قراءة متواترة، وهي رواية عن ابن كثير، وهو قارئ أهل مكة، على أنها حال من الضمير في (عليهم) أو حال من الاسم الموصول (الذين) ومعلوم أن الحال تكون منصوبة.
والحاصل أن إعرابه على البدلية (من الذين أنعمت عليهم) على معنى أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من غضب الله والضلال، وإذا أعربناه بأنه صفة فإنه يكون بمعنى أنهم جمعوا بين النعمتين: نعمة الإيمان والسلامة من طريق الغضب والضلال.
وقوله (ولا الضالين) لا: نافية، وقد حذف الموصوف، قال (ولا الضالين) ما قال: ولا طريق الضالين مثلًا، أو قال: ولا السالكين الضالين مثلًا، ولا طريق الضالين، حذف الموصوف أيًا كان تقديره (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) ويمكن أن يقال: غير صراط المغضوب عليهم (ولا الضالين) ولا صراط الضالين.
وقد جاء في قراءة عمر في كتاب الفضائل لأبي عبيد القاسم ابن سلام وهي قراءة غير متواترة أنه كان يقرأ: غير المغضوب عليهم وغير الضالين، وهذا حمله بعض أهل العم أنه من قبيل التفسير وليس من قبيل القراءة.