يقال: هذا يدل على تعينه واختصاصه، ما قال: اهدنا صراطًا مستقيمًا، أي صراط، وإنما قال (اهدنا الصراط المستقيم) وكلما كثرت القيود والأوصاف كلما كان ذلك أدق في تعيين المقصود، فإذا قلت مثلًا: أريد ماءً، فهذا يصدق على كل ماء من مياه الأمطار والبحار والأنهار والآبار وغير ذلك، الماء النقي وغير النقي، البارد وغير البارد.
وإذا قلت: أريد ماء نقيًا، فخرجت المياه الملوثة، وإذا قلت: أريد ماء نقيًا عذبًا، خرجت المياه النقية المالحة، وإذا قلت: أريد ماء نقيًا عذبًا باردًا، خرجت المياه التي لا تكون كذلك، فكلما كان القيود والأوصاف كلما كان ذلك أكثر تحديدًا للموصوف.
انظروا إلى قول الله عز وجل لبني إسرائيل حينما أمرهم على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - موسى أن يذبحوا بقرة، فلو ذبحوا أي بقرة لكفى، فسألوا عن صفتها من جهة السن، فقال لهم هي وسط لا فارض ولا بكر، فسألوا عن لونها، فقال لهم صفراء فاقع لونها، فبالأول خرجت الأبقار الصغيرة والأبقار الكبيرة، وبالثاني خرجت سائر الألوان غير اللون المذكور صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، ثم سألوا عن منافعها وما تصلح له من العمل لما قالوا له، (قال لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها) ضيقت هذه الأوصاف ضيقت الموصوف، فما وجدوا هذه البقرة إلا بصعوبة، وهكذا في كل شأن من الشؤون، فإذا قال اهدنا صراطًا مستقيمًا، فهذا واسع، إذا قال: اهدنا صراطًا فقط غير لما يقول: اهدنا صراطًا مستقيمًا، غير لما يقول (اهدنا الصراط المستقيم) فهذا يدل على تعينه واختصاصه، بخلاف السبل الأخرى فهي كثيرة متعرجة مائلة منحرفة، كما أنه أيضًا يدل على أنه صراط واحد (الصراط المستقيم) ليس هناك صراط آخر يصل به العبد إلى النجاة سوى هذا الصراط المستقيم، وقد أخرج الإمام أحمد وابن حبان والحاكم من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: خط لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطًا وقال: (هذه سبيل الله) ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره وقال: (هذه سبل على كل سبيل شيطان يدعو إليه) ثم قرأ قوله تعالى (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) فالطرق كثيرة جدًا، ولكن صراط الله عز وجل واحد، ولهذا قال هنا عرفه بهذين التعريفين لأنه طريق متعين، عينه الله عز وجل ورسمه وحدده ووصفه بأبلغ الأوصاف ولا يمكن أن يوصِل إليه طريق آخر سوى هذا الطريق.
فـ (الألف واللام) التي دخلت على الصراط إذا دخلت على اسم موصوف اقتضت أنه أحق بتلك الصفة من غيره، وهذه (اللام) هنا للعهد العلمي الذهني.
قد بينت لكم أنواع اللامات العهدية، العهد الذهني، والعهد الحضوري، والعهد الذكري، الذكري في قوله (أرسلنا إلى فرعون رسولًا فعصى فرعون الرسول) يعني المذكور قبل قليل، وأما الذهني؛ فكما إذا كان بيني وبينك أمر من الأمور فقلت لك: جاء الرجل، فعرفت أنت من المقصود للأمر الذي في الذهن، في ذهنك أنت، جاء الرجل ففهمت قلت: أين هو؟
وأما العهد الحضوري فكأن أقول مثلًا: الرجل ينتظرك، الرجل اللي أمامك حاضر، فهذه (ال) للعهد، لأي عهد؟ العهد الحضوري.
فالحاصل أن هذه اللام إذا دخلت على موصوف أنها تدل على فأنها أحق بهذه الصفة من غيره.