يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"الصراط المستقيم أن تفعل في كل وقت ما أمرت به في ذلك الوقت من علم وعمل، ولا تفعل ما نهيت عنه، وهذا يحتاج في كل وقت إلى أن تعلم ما أمر به في ذلك الوقت"- الهدايات التي ذكرتها لكم من قبل وأن العبد مفتقر إليها - يقول:"وهذا يحتاج في كل وقت إلى أن تعلم ما أمر به في ذلك الوقت وما نهي عنه وإلى أن يحصل لك إرادة جازمة بفعل المأمور وكراهة لترك المحظور، فهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة لا يُتصور أن تحصل للعبد في وقت واحد، بل كل وقت يحتاج إلى أن يجعل الله في قلبه من العلوم والإرادات ما يهتدي به في ذلك إلى الصراط المستقيم، يقول: نعم حصل له هدىً مجمل، بأن القرآن حق والرسول حق ودين الإسلام حق وذلك حق، ولكن هذا المجمل لا يغنيه إن لم يحصل له هدىً مفصل في كل ما يأتيه ويذره من الجزئيات التي يحار فيها أكثر عقول الخلق، فيغلب الهوى والشهوات أكثر عقولهم لغلبة الشهوات والشبهات عليهم، يقول: والإنسان خلق ظلومًا جهولًا، فالأصل فيه عدم العلم، وميله إلى ما يهواه من الشر، فيحتاج دائمًا إلى علم مفصل يزول به جهله، وعدل في محبته وبغضه ورضاه وغضبه وفعله وتركه وإعطائه ومنعه وأكله وشربه، إلى أن يقول: فكل ما يقوله ويعمله يحتاج فيه إلى علم ينافي جهله، وعدل ينافي ظلمه، فإن لم يمن الله عليه بالعلم المفصل والعدل المفصل وإلا كان فيه من الجهل والظلم ما يخرج به عن الصراط المستقيم، وقد قال الله تعال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بعد صلح الحديبية وبيعة الرضوان (إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا) إلى قوله (ويهديك صراطًا مستقيمًا) فإذا كان هذا حاله في آخر حياته أو قريبًا منها، فكيف حال غيره؟"انتهى كلامه رحمه الله.
وهذا ما يوضح ما سبق في ألوان الهدايات الداخلة تحت قولك (اهدنا الصراط المستقيم) ، وبهذا تعرف أن تفسير الآية بـ (ثبتنا) أنه تفسير قاصر، وأنه لا يفي بسعة ما تضمنته من هذه المعاني والله تعالى أعلم.
وبعض أهل العلم كابن القيم رحمه الله يقول: إن الصراط لا يكون كذلك، يعني لا يكون الطريق صراطًا إلا إذا تضمن خمسة أمور، أو وصف بخمس صفات:
أولها: الاستقامة. والثاني: الإيصال إلى المقصود. والثالث: القرب، أن يكون قريبًا. والرابع: يقول أن يكون واسعًا للمارين وهذا ليس على إطلاقه، معلوم أن الصراط الذي على جسر جهنم أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف، فهذه الصفة الرابعة فيها إشكال. والخامس: أن يكون متعينًا للمقصود، تعينه طريقًا للمقصود.
وعلى كل حال المستقيم معروف عند أهل الهندسة أنه الذي يربط بين نقطتين؛ أقصر طريق يربط بين نقطتين، أليس كذلك؟ أقصر طريق هو المستقيم، وإلا فالمقوس أبعد، المتعرج أبعد، وهكذا.
فأقصر طريق يربط بينهما فهو المستقيم.
ولاحظوا هنا أنه أفرد الصراط، قال (اهدنا الصراط) وكذلك أيضًا عرفه بتعريفين:
الأول: بدخول (ال) (اهدنا الصراط) .
والثاني: أنه ذكر صفته، وهو قوله (المستقيم) .
فما وجه ذلك؟