فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 94

وإذا نظرنا إلى قراءة السين (السراط) فيمكن أن يكون هذا اللفظ مأخوذًا من الاستراط، والاستراط هو الابتلاع، تقول: يسترط الطعام استراطًا، معناه يلتهمه ويبتلعه ابتلاعًا، فكأن الصراط يبتلع المارة السابلة السالكين عليه، كأنه يبتلعهم.

وقرئ على كل حال أيضًا بغير ذلك.

والصراط المستقيم ما معناه؟

الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا عوجاج فيه.

وبعض أهل العلم يقولون: إن الصراط لا يطلق إلا على ما كان مستقيمًا، إذًا: لماذا قال: (الصراط المستقيم) ؟

فعلى هذا المعنى؛ إذا قلنا إن الصراط لا يطلق إلا على ما كان مستقيمًا وإلا فإنه لا يقال له صراط، تكون لفظة المستقيم من قبيل الصفات الكاشفة، صفة كاشفة، فهي تكشف عن حقيقته فحسب وإلا فهو مستقيم، كما قال الله عز وجل (يكتبون الكتاب بأيديهم) ومعلوم أنهم يكتبونه بأيديهم (يقولون بأفواههم) (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه) والطائر يطير بجناحيه، وتقول: فلان مشى إلى كذا برجله، وقال بلسانه، ونظر بعينه، ومعلوم أن النظر لا يكون إلا بالعين، ومع أن هذه الأمثلة في بعضها يمكن أن يقال شيء آخر: (نظر) ببصيرته و (كتب) تقول يمكن أن يكون قال ذلك بلسانه، يمكن أن يكون قد كتبه، قال فلان: تقرأ كلامه المكتوب، فبعض هذه الأمثلة يمكن أن يقال فيها شيء آخر، لكن على كل حال يبقى بعضها يدل على المعنى الذي ذكرته والله تعالى أعلم.

فالحاصل أن الصراط المستقيم الذي نسأل الله عز وجل دائمًا في صلاتنا وفي قراءتنا للفاتحة أن يسلك بنا سبيله، ما هو هذا الصراط المستقيم؟

هو طريق الله الذي نصبه لعباده على ألسن رسله عليهم الصلاة والسلام، وجعله موصلًا لعباده إليه، ولا طريق لهم إليه سواه، بل الطرق جميعًا مسدودة إلا هذا الطريق، وحقيقته: إفراد الله عز وجل بالعبادة، وإفراد رسله عليهم الصلاة والسلام بالطاعة، فلا يشرك به أحد في عبوديته، ولا يشرك برسوله أحد في طاعته، فيكون بذلك العبد مجردًا للتوحيد، مجردًا للاتباع، اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله كما قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى، وهو مضمون شهادة أن محمدًا رسول الله، فإن اتباع الرسول في كل شيء، وتوحيد هذا الاتباع هو معنى: شهادة أن محمدًا رسول الله، هو مضمن فيها، ونكتة ذلك وعقده: أن تحبه بقلبك كله وترضيه بجهدك كله، فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه كما قال ابن القيم، ولا تكون لك إرادة إلا متعلقة من مرضاته.

والأول يحصل بالتحقق بشهادة أن لا إله إلا الله، والثاني يحصل بالتحقق بالشهادة الأخرى وهي أن محمدًا رسول الله، وهذا هو الهدى الكامل ودين الحق الذي بعث الله به رسله عليهم الصلاة والسلام، وهو معرفة الحق والعمل به والقيام بذلك ظاهرًا وباطنًا، وكل العبارات التي يعبر بها السلف رضي الله تعالى عنهم في تفسير الصراط المستقيم تدور على هذا المعنى وتقاربه، وليس بينها اختلاف حقيقي وإنما هو من قبيل اختلاف التنوع والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت