نتصدق، طيب: الزكاة أرجح في الميزان من الصدقة، وما تقرب المتقربون إلى الله بأحب إليه مما افترض عليهم، فأخرجوها، إن وقعت زكاة فهي أثقل من الصدقات التي تخرجونها، أخرجها فقط بنية الزكاة وإن لم يكن فيه زكاة فقد وقعت صدقة، تجد الإنسان يحب أن يتصدق ويتثاقل الزكاة، وإذا قلت المال الفلاني فيه زكاة هنا تثاقل جدًا ورأى أن ذلك عبئًا كبيرًا يرهق كاهله، وهكذا، فالعبد بحاجة إلى معرفة المفاضلة بين الأعمال، كثير من الناس يسأل يقول: أيهما أفضل لي أن أشتغل به، العبادات القاصرة من التطوعات، أصوم النهار وأصلي الليل أو أنني أشتغل بأمور أخرى تحتاج إلى مزيد من الجهد قد يضعفني الصوم عنها، من القيام على الفقراء والأرامل والمساكين، أو غير ذلك من ألوان النفع المتعدي كالجهاد في سبيل الله عز وجل وما إلى ذلك؟ يسألون الناس عن هذا، فقد يشتغل الإنسان بعمل قاصر ويفوته ألوان من الخير من الأعمال الفاضلة، يشتغل بعمل مفضول ويترك العمل الفاضل، لماذا؟ لأنه لم يوفق إلى معرفة أعلى العبادات ليعمل بها، ولا شك أن العمر قصير والمسألة تجارة مع الله عز وجل والدقائق والثواني هي رأس المال فيحتاج أن يتجر بها.
أحد التجار كان يريد أن يقدم تبرعًا مساهمة في جانب من جوانب الخير، فكان يسأل ابتداءً، يقول: أنا تاجر، ولا أدخل في تجارتي في شيء من الأشياء إلا ما أعلم أنه أكثر ربحًا، فلا أريد أن أساهم بهذا المال إلا فيما هو أوفر عند الله عز وجل، لم يدفع هذا المال ويقول: تصرف بما تراه، أبدًا، قال: أنا تاجر ولا أشارك ولا أقدم في تجارة من التجارات إلا ما هو أكثر ربحًا، وأبحث وأنقر، وهذه تجارة مع الله عز وجل، فأنا أريد الأفضل والأرجح في الميزان، وهذا صحيح، قد تدفع هذه المائة ثم تكون في عمل مفضول، وقد تدفعها وينفع الله عز وجل بها نفعًا عظيمًا ويكون ذلك دارًّا مستمرًا لا ينقطع عنك أجره، فيحتاج العبد أن يتحرى.
ابن مسعود رضي الله عنه كانوا يقولون له: أنت تقل الصوم، طبعًا ابن مسعود كان يصوم الاثنين والخميس والأيام البيض، ثبت هذا بإسناد صحيح، لكن أمامهم يعتبر هذا قليل في منظارهم مقاييسهم يعتبر قليل، الاثنين والخميس والأيام البيض هذه ما تسوي عندهم شيء، فقال: (نعم، لأني ضعيف، الصوم يضعفني عن وردي من القرآن) وفي رواية: (عن صلاتي والصلاة أحب إلي) العملية مفاضلة، هو يرى أنه يصلي باليوم أربعمائة ركعة؛ هكذا كانوا يصلون وليست مبالغة إنما هي مبالغة عند الكسالى البطالين، يصلي الواحد منهم أربعمائة ركعة باليوم يرى أنها أفضل عنده من صوم يوم لا يستطيع معه أن يصلي، ما هي تضعفه عن صلاة الفرض والسنن الرواتب هذا شيء يسير عندهم، ولا زلت أذكر أني ذكرت في أحد المجالس وفيه بعض المشايخ وطلبة العلم، ذكرت كلام بعض السلف عبد الله بن أحمد كان يقول عن أبيه أحمد بن حنبل رحمه أنه كان يصلي أربعمائة ركعة باليوم، ولما ضرب وضعف صار يصلي باليوم مائتي ركعة، فقال أحد طلبة العلم: هذه مبالغات لا يستطيع الإنسان أن يفعل هذا كالذي يقولون إنه يختم القرآن في ركعة، هذا لا يمكن بحساب الدقائق والساعات من الليل، طبعًا ثبت بإسناد صحيح عن عثمان أنه ختم القرآن في ركعة خلف المقام، فكان هذا طالب العلم يقول هذا لا يمكن، فغضب أحد الموجودين، فغضب أحد الموجودين من المشايخ ولو شئت لسميته تعرفونه، فقال: أنا قمت القرآن بركعة واحدة في ليلة، فسكت هذا ما تكلم، هذا يقول: مستحيل أن يفعل الإنسان ذلك، لماذا؟ لأنه يقيس على عجزه وضعفه وكسله.