فأقول: نحن بحاجة إلى هداية أخرى أيها الإخوان وهي: أن نهدى إلى أفضل الأعمال وأجل القربات، لأن العمر قصير ونحتاج أن نتقرب إلى الله عز وجل بما هو أوفر في الحسنات وأوفى بالميزان.
هذه الهدايات التي تدخل تحت قوله (اهدنا الصراط المستقيم) وندعو الله عز وجل بها، ولا شك أننا نحتاج إلى هدايات أخرى هي لا تدخل تحت هذا الدعاء في سورة الفاتحة خاصة، لكن تدخل تحت عموم قول العبد (اللهم اهدني) أما إذا قال (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم) فالمقصود به الإسلام، أما إذا عم في الدعاء فقال (اللهم اهدني) وأطلق، فيدخل فيه ما ذكرت إضافة إلى أمور أخرى، وهي:
أن العبد بحاجة إلى هداية عند الموت ليثبت، وهو بحاجة أيضًا إلى هداية عند سؤال الملكين فيجيب بالجواب الصحيح الذي ينجو به: من ربك وما دينك وما نبيك.
والعبد بحاجة إلى هداية أخرى: وهي الهداية إلى الصراط، وهو بحاجة إلى هداية أخرى: وهي الهداية على الصراط، دقيق أدق من الشعرة أحد من السيف وعليه كلاليب، فهو بحاجة إلى تسديد وهداية، والعبد بحاجة أيضًا إلى هداية أخرى: وهي الهداية إلى باب الجنة، إلى الجنة، وهو بحاجة إلى هداية فوق ذلك أيضًا، وهو أن يهدى إلى منزله في الجنة، ويدل على ذلك قول الله عز وجل (الذين قتلوا في سبيل الله) في القراءة الأخرى المتواترة (والذين قاتلوا في سبيل الله) فعلى القراءة الأولى (والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم) لاحظ: قتلوا، يهديهم إلى أي شيء؟ انتهى مات، يهدى إلى أي شيء؟ يهدى إلى الصراط ويهدى على الصراط ويهدى عند الحساب، يسأل: ما ذا عملت؟ ويهدى أيضًا إلى الجنة، إلى باب الجنة، ويهدى إلى منزله في الجنة (سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم) وبهذا يزول عنّا الإشكال الذي لربما يتردد في هذه الآية عند بعض الناس، كيف قال: (سيهديهم ويصلح بالهم) وقد قتلوا؟
وأما الأوجه السابقة التي ذكرتها قبل في قولك (اهدنا الصراط المستقيم) إذا عرفتها فإنه يرتفع عنك الإشكال الذي يرد على كثير من الناس: نحن قد هدينا إلى الإسلام، فلماذا نقول (اهدنا الصراط المستقيم) ؟ فبعض الناس يقولون: المقصود ثبتنا على الصراط المستقيم، وهذا جواب قاصر، وإذا عرفت التفاصيل السابقة، عرفت لماذا تقول: (اهدنا الصراط المستقيم) .
نسأل الله عز وجل أن يهدينا وإياكم إليه وأن يثبتنا عليه، وذلك أن الهداية هدايتان:
هداية البيان والدلالة، وهداية التوفيق والإلهام، فإذا حصل الأول وهو (هداية الإرشاد والدلالة والبيان) بقي الآخر، وهو جعل الإيمان في القلب وتحبيبه إليه وتزيينه في قلبه، وجعله مؤثرًا له على غيره، راضيًا به، راغبًا فيه، وقد قال ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر هذين القسمين، قال:"وهما هدايتان مستقلتان لا يحصل الفلاح إلا بهما، وهما متضمنتان تعريف ما لم نعلمه من الحق تفصيلًا وإجمالًا وإلهامنا له وجعلنا مريدين لاتباعه ظاهرًا وباطنًا، ثم خلق القدرة لنا على القيام بموجب الهدى في القول والعمل، ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة ... إلى أن قال: ومن هنا يعلم اضطرار العبد إلى سؤال هذه الدعوة فوق كل ضرورة، وبطلان قول من يقول: إذا كنا مهتدين فكيف نسأل الهداية، فإما المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم، وما لا نريد فعله"