فصليت بهم، فلما انصرفنا من الصلاة جلس بعض كبار السن ينظرون إلي، ورياض الصالحين مع رف المصحف، فلما أغلقت المكبر، قالوا: اقرأ علينا، فقلت: الحمد لله، ففتحته هكذا، لم أحدد شيئًا، فتحته هكذا، فتحت رياض الصالحين، فإذا الكلام عن السنن الرواتب، فقرأت عليهم من السنن الرواتب، السنن الرواتب من رياض الصالحين، فلفت نظري صوت من الناحية اليسرى في المسجد، فإذا هو رجل ينشج نشيجًا، يبكي بصوت من كبار السن هؤلاء، تعجبت، لا يوجد شيء مؤثر، وأنا أتكلم بتثاقل من باب تحلة القسم أني قرأت عليهم فقط، فإذا الرجل يبكي، فتعجبت، فأكملت القراءة، وبعد ما فرغت من القراءة وأغلقت الكتاب، فإذا بالرجل يزحف، يدنو عندي، بعد ما بكى ومسح دموعه، فجاء وجلس يسأل عن بعض الأشياء المتعلقة بالسنن الرواتب والوتر، وأخبرني عن عمله الذي يعمله، تبين لي أن الرجل كانت عنده بعض الأخطاء في هذه السنن، أشياء يفهمها منذ سبعين سنة يمكن على غير وجهها، فلما سمع القراءة والتعليق بكى، أنه مضى عليه هذا العمر ولم يعرف هذه الأشياء وكان يعبد الله عز وجل بطريقة خاطئة، فجلس يبكي بكاءً مرًا، فبعد ما جلست أشرح له كيف يصنع فذكر لي كيف يوتر وكيف يصلي السنن الرواتب، ذكر أنه يأتي للمسجد ويوتر، ثم يرجع إلى بيته ويتعشى، ثم يجلس يصلي ثم يوتر مرة ثانية، فذكر بعض الأخطاء، فلما سمع بعض الأحاديث (لا وتران في ليلة) (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا) تعجب جدًا وجلس يبكي بكاء أكثر من البكاء الأول.
طبعًا هذه فائدة جانبية أخرى، وهو أن بعض الإخوان يستغرب؛ لماذا الإمام يبكي إذا قرأ الفاتحة، لماذا يبكي؟ اسمعوا هذه المعاني كلها في الفاتحة.
ويقول بعضهم: أحد الأئمة يبكي حينما قرأ الآيات المتعلقة بعدد النساء في سورة البقرة، لماذا لا يبكي؟ هذه الشريعة اللي ما تركت شيء إلا فصلته وبينته بدقة، أما ينكسر قلب الإنسان، ويخشع، ويبكي عند سماع هذه الآيات التي يفصل الله لنا بها كل شيء؛ إن طلقها قبل أن يمسها، وإن طلقها بعد المسيس، وماذا لها من المهر، ولا تنسوا الفضل بينكم، وأشياء من التوجيهات والإرشادات، لماذا لا يبكي؟
فالحاصل أقول: هذا الرجل كان يعبد الله عز وجل بطريقة خاطئة مع حرصه واجتهاده، فغابت عنه أشياء مع هذا العمر المديد في الإسلام، غابت عنه أشياء، فتفاصيل الشريعة كثيرة جدًا، والنبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: (إنك مرؤ فيك جاهلية، قال: أعلى شيبتي وقدمي في الإسلام؟) هو من أوائل من أسلم ومع ذلك فاته أشياء، وهكذا بعض الصحابة، عمر بن الخطاب في مسألة التيمم من الجنابة في قصته مع عمار بن ياسر، وأشياء عديدة خفيت على بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم علماء، فالإنسان يغيب عليه أشياء، فهو بحاجة إلى هداية إلى تفاصيل الصراط، فهو متشعب، كثير المعالم والأحكام، والصراط المستقيم هو الإسلام بكامله.
ثم نحن بحاجة إلى هداية أخرى، وهي أن العبد قد يعرف التفاصيل ويوفق للعمل ويكون له قدرة ويكون له إرادة على ذلك ويثبت، لكن على هذه التفاصيل الكثيرة قد يخطئ فيكون مشغولًا بالمفضول عن الفاضل، هذه الأيام لا تستطيع أن تحصي كثرة السائلين عن زكاة الحلي المستعمل، وعن أموال يترددون في الزكاة هل تجب فيها الزكاة أو لا تجب فيها؟ أسألهم دائمًا: أنتم لا تتصدقون طوال السنة؟ يقولون: بلى نتصدق، نحن