فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 94

فأول ذلك مما يحتاجه العبد ليكون مهتديًا، وهو داخل تحت هذا الدعاء (اهدنا الصراط) فأنت تطلب من ربك أولًا هداية العلم والبيان، أن تعرف الحق، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل) كان يدعو ربه أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فكم من إنسان يبحث عن الحق ويقرأ وينقضي عمره في البحث والمطالعة ولا يهتدي إلى الحق، كم من إنسان يقرأ ويقال له ليتك ما قرأت، وكم من إنسان يتعلم ويقال له ليتك ما تعلمت، لأن علمه لم يفده، ولهذا أخبرنا الله عز وجل عن أقوام أنهم ضلوا على علم، ولما جاءت الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى أقوامهم فرحوا بما عندهم من العلم فكان ذلك سببًا لضلالهم وزيغهم، ولربما قرأ الإنسان المسألة ونظر فيها فخرج بها برأي معكوس، ولربما أمضى السنوات وهو يقرأ ويبحث ولم يهده هذه القراءة والاطلاع والبحث إلى الغلط المححض الذي لم يكن له من قراءته إلا التعب والسهر، وهذا كثير، ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان يقول:"إني لأقرأ في الآية الواحدة مائة تفسير"مائة تفسير، يذهب إلى المساجد الخربة المهجورة ويمرغ جبهته بالتراب، يمرغ وجهه بالتراب ويدعو بالدعاء المأثور: (اللهم رب جبرائيل ومكائيل ... ) فالعبد بحاجة ماسة إلى معرفة الحق، والناس أسرى لأفكارهم ومعتقداتهم، فإذا وجدت العقائد الملوثة عند الإنسان والتصورات المعكوسة فإنه يقدم نفسه رخيصة في سبيل خدمة هذه المبادئ والعقائد، ما رأيتم أولئك الذين عبدوا عليًا رضي الله عنه، فلما حفر لهم خندقًا وملأه بالنار واستتابهم، قالوا: قد علمنا أنك هو، قال: من هو؟ قالوا: الله، لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار، فصاروا يتهافتون في النار تهافت الفراش طواعية، فانظر كيف قدموا أنفسهم رخيصة في سبيل ثباتهم على باطلهم، ونحن نسمع أن أقوامًا في الأرض يتقربون إلى معبوداتهم بقتل أنفسهم وإزهاق أرواحهم، فإذا كانت تصورات الإنسان معكوسة ومقلوبة، فإنه ينفق أمواله من أجل نصرها، وإذا كانت صحيحة فكذلك.

وهنا نقول: العبد بحاجة ماسة إلى معرفة الصواب، أول خطوة هي: العلم الصحيح، لا يمكن أن يستقيم العمل إذا كان العلم مختل، ولذلك تجد الذين يدرسون العقائد الفاسدة في الكتب الفاسدة، كتب الأشعرية والكتب الكلامية وغيرها، يؤثر ذلك فيهم ألوانًا من الإنحرافات المرتبة على هذه المعلومات المغلوطة في هذه الكتب، فنحن بحاجة أولًا إلى معرفة الصواب، معرفة الحق، فهذه الخطوة الأولى، فإذا قلت (اهدنا الصراط المستقيم) فأنت تطلب من الله أن يهبك العلم الصحيح، أن تعرف الحقيقة كما هي، فهذا أولًا.

ثم إذا عرف العبد ذلك، فإن العبد ضعيف، عاجز، مسكين، لا حول له ولا طول ولا قوة، فهو بحاجة إلى أن يقدره الله عز وجل على ذلك، على مقتضى هذا العلم، وهو العمل، لا بد من القدرة، ومن غير قدرة لا يمكن للإنسان أن يعمل.

ثم هو بحاجة إلى أمر ثالث، وهو أنه يكون مريدًا له، قد عرف العبد الحقيقة كما هي، وقد يكون قادرًا على فعلها، ولكنه منصرف عنها، لا يريد أن يعمل، وهذا كثير، تأتي للإنسان أحيانًا بأدلة، وتوضح له الحكم في المسألة الفلانية، ولكنه لا يعمل، لا يريد أن يعمل، فأنت بحاجة إلى أمر ثالث، وهو أن يجعلك الله عز وجل مريدًا لهذا العمل الذي تتقرب به إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت