فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 94

والحديث الثاني حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يدعو: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، فقال: (لقد سأل الله باسمه الأعظم) وهذا أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد وهو حديث صحيح.

يقول ابن القيم رحمه الله:"ففي هذين الحديثين توسل إلى الله بتوحيده وأسمائه وصفاته وقد جمعت الفاتحة الوسيلتين وهما: التوسل بالحمد والثناء عليه وتمجيده والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده ثم جاء سؤال أهم المطالب وأنجح الرغائب وهو الهداية بعد الوسيلتين، فالداعي به حقيق بالإجابة"انتهى كلامه رحمه الله.

بعد ذلك أقول: ما معنى قوله (اهدنا الصراط المستقيم) ؟ إذا قلت ذلك ودعوت الله عز وجل به، أن يهديك الصراط المستقيم، فما معناه؟

معناه: أي وفقنا للثبات عليه وأداء ما كلفنا من فرائضه في ما نستقبل من العمر. ذكر ذلك جماعة من أهل العلم منهم كبير المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله.

فأنت على سبيل الإجمال إذا دعوت ربك أن يهديك إلى الصراط المستقيم فأنت تطلب منه شيئين:

الشيء الأول: أن يدلك إلى هذا الصراط وأن يوفقك إلى لزومه والعمل بتفاصيله إلى الممات، هذا هو المراد على سبيل الإجمال، فإنه لا سبيل إلى سلوك الصراط من غير معرفته، فيحتاج العبد إلى لون من التوفيق وهو أن يوفق إلى معرفة حقائق الدين وتفاصيل الصراط الذي رسمه الله عز وجل لعباده.

والأمر الآخر: وهو أن العبد بحاجة إلى أن يوفق إلى سلوك هذا الصراط والعمل بما علم، وكم من إنسان يعلم ولكنه لا يوفق للعمل وكم من عامل يعمل من غير علم ويكون ما يفسده أكثر وأعظم مما يصلحه.

وقولك (اهدنا الصراط المستقيم) حينما تعبر بهذا الفعل (اهدنا) ما المراد بالهداية؟

الهداية يراد بها هنا معرفة الحق مع العمل به فمن عرف الحق ولم يعمل به لم يحقق الهداية ولم تحصل له، والله قال عن كثير من الكافرين (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) فلم يكونوا مهتدين بذلك، وأبو طالب كان يقول:

ولقد علمتُ أن دين محمد ... من خير أديان البرية دينًا

فما نفعته هذه المعرفة، فلا بد من أمر آخر وهو أن يوفق إلى لزوم هذا الحق والعمل بمقتضاه، فإذا اجتمع له العلم الصحيح مع العمل، فإنه يكون مهتديًا، وإلا فإنه يتردد بين أمرين:

إما الغضب؛ لأنه علم ولم يعمل بعلمه.

وعالم بعلمه لم يعملًا ... معذب من قبل أصحاب الوثن

وإما أن يكون عاملًا، ولكنه من غير علم، فهو جاهل، يعبد الله عز وجل على ضلالة، وعلى جهل، ومن ثم فإن هذا الإنسان قد لا ينفعه عمله ولا يزيده من الله جل جلاله إلا بعدًا.

وأما على سبيل التفصيل، فيقال: إن قوله (اهدنا الصراط المستقيم) (اهدنا) يدخل تحتها سبعة أنواع من أنواع الهداية التي يفتقر إليها العبد كل الافتقار، ويحتاج إليها ولا غنى له عنها بحال من الأحوال ولو لحظة، وإذا اجتمعت هذه الأمور السبعة اكتملت له الهداية وقد أجملتها في الأمرين السابقين.

وأما التفصيل الذي أشرت إليه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت