فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 94

كذا وما إلى ذلك، وهو أسلوب عربي معروف أن الواحد يعبر بالجمع ولا يقصد به حقيقة الجمع ولا يقصد به التعظيم في بعض الأحيان.

فالإنسان حينما يقرأ هذه السورة، أو يقف بين يدي الله عز وجل يردد هذه الآية (إياك نعبد وإياك نستعين) فهو يفخم أمر الرب جل جلاله ويتواضع ويستكين بين يديه لا يتعاظم وإنما يقول: نحن عبيدك ننطرح بين يديك ونتقرب إليك بألوان القربات.

وبالاستعانة وبالعبادة يتحقق الإيمان، فجمع بينهما (إياك نعبد وإياك نستعين) فالعبادة إذا كانت خالصة لله عز وجل فهذا براءة من الإشراك، والاستعانة بالله عز وجل إذا كانت خالصة فهذا براءة من الحول والطول والقوة وفي ذلك تمام التفويض إلى الله جل جلاله، وهذا هو كمال الطاعة، أن يتبرأ الإنسان من حوله وطوله وقوته وألا يلتفت إلى أحد من المخلوقين فيتوجه إليه بلون من ألوان عبوديته ليتقرب إليه ويتزلف، فيكون العبد ملتزمًا لجادة العبودية إذا حقق ذلك جميعًا والله تعالى أعلم.

وقد قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وهذه الآية (إياك نعبد وإياك نستعين) هي سر الفاتحة، فالأول (إياك نعبد) تبرء من الإشراك، والثاني تبرء من الحول والقوة.

ونظير هذه الآية في كتاب الله عز وجل قوله جل جلاله: (فاعبده وتوكل عليه) وقوله: (قل هو الرحمن أمنا به وعليه توكلنا) وقوله: (رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلًا) .

وفي هذه الآية رد على القدرية الذين يقولون إن الإنسان يخلق فعله فقد أثبت الله عز وجل فعل العبد فيها (إياك نعبد وإياك نستعين) وأثبت أيضًا أنه لا يكون هذا الفعل منه إلا بإعانة الله عز وجل له على ذلك.

ثم بعد ذلك قال: (اهدنا الصراط المستقيم) ومناسبة هذه الآية للآية التي قبلها أن يقال والله تعالى أعلم: لما تقدم الثناء على الله عز وجل وهو المسؤول الذي أظهر العبد فقهره إليه وحاجته إليه وطلب منه العون ناسب أن يعقب بالسؤال فقال:

(اهدنا الصراط المستقيم) وهذا أكمل أحوال السائل أن يبدأ بالثناء على المسؤول بما يليق به ثم بعد ذلك يذكر حاجته وافتقاره فيكون ذلك أدعى للإجابة، ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله:"لما كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجل المطالب ونيله أشرف المواهب علم الله عباده كيفية سؤاله وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده"ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم توسل إليه بأسمائه وصفاته وتوسل إليه بعبوديته؛ وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء، ويؤيدهما الوسيلتان المذكورتان في حديثي الاسم الأعظم:

أحدهما حديث بريدة قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يدعو ويقول: الله أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمت الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى) هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وأحمد وهو حديث صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت