وإذا قلنا إنها للتعظيم، فهذا مقام تذلل وخضوع يعلن عبوديته لله عز وجل ويعلن فقره وخروجه وبراءته من حوله وطوله وقوته وأنه مفتقر إلى الله كل الافتقار، فهو بحاجة إلى عونه وتسديده (وإياك نستعين) .
فما هو الجواب؟
إذا قلنا: إنها للجمع؛ فيمكن أن يكون المراد الإخبار عن جنس العباد، أي أنهم يقولون ذلك ويتوجهون إلى الله عز وجل بالعبودية، والمصلي أو القارئ لسورة الفاتحة واحد منهم لا سيما إذا كان في الجماعة، بصلاة الجماعة، فيقول: إياك نعبد) أي نحن جماعة المصلين (وإياك نستعين) ولهذا أخذ منه بعض أهل العلم مشروعية دعاء المسلم لإخوانه، فلم يكتفِ بنفسه، وأخذوا منه فضل الجماعة، وأخذوا منه أيضًا تعظيم الله عز وجل، وسعة مجده بكثرة عبيده وسائليه، وبعض هذه الأمور المستنبطة لا يخلو من تكلف.
وبعض أهل العلم يقولون: يجوز أن تكون هذه النون للتعظيم، وما وجهه؟
يقولون: لأن العبد إذا دخل في باب العبودية وحقق العبودية لله عز وجل؛ فإنه يشرف بذلك، فحق له أن يقول (إياك نعبد) .
وبعض أهل العلم يقولون: بل إن ذلك ألطف في التواضع لله عز وجل، بنون الجمع، من قول القائل: إياك عبدت، فيقولون: هذا لا يليق مع المعظم إذا دخل بين يدي ملك وقال له: أنا خادمك وأنا عبدك، فإن هذا ليس بمنزلة من يقول: كل هؤلاء الرعية فداء لك، وكلهم أعوان لك، وكلهم جنود لك، بخلاف ما إذا قال: أنا جنديك، وأنا خادمك، وأنا رعيتك، وما إلى ذلك، فهذا لا يكون بمنزلة التعبير بالجمع، فكأنه أيضًا إذا فعل ذلك، إذا قال: إياك عبدت أيضًا كأنه جعل نفسه وحده أهلًا لهذا المعنى، وكأن الناس يتقاصرون عنه، فكأنه يشعر بشيء من الإدلاء: إياك عبدت وإياك أستعين، بخلاف ما إذا قال: (إياك نعبد) فهو لا يتحدث عن نفسه فقط، وإنما يتحدث بلسان العباد، فيقول: كلنا عبيدك، فهذا فيه تعظيم لله أكثر، وفيه أيضًا تأدبٌ بحيث إن الإنسان لا يبرز نفسه في هذا المقام كأنه حققه دون غيره فيكون ذلك من قبيل الإدلاء على الله عز وجل.
وبعض أهل العلم يقولون: لما كان المقام عظيمًا لم يستقل به الواحد استصغارًا لنفسه، فعبر بالنون لقصد التواضع لا التعظيم، ووجه ذلك:
يقول: إنه لو قال: إياك عبدت، فإن المقام أكبرمن ذلك، فكأنه يقول: لا أستطيع أن أحقق العبودية بمفردي وإنما تتظافر أعمال الخلق وتتحد وجهتهم من أجل القيام بجزء من حقوقك يا رب، هذا وحه هذا القول.
وعلى كل حال كثير من هذه الأوجه لا يخلو من تكلف، ولو تأمل الإنسان لوجد أن الناس يعبرون بهذا والقرآن أنزل بلغة العرب، ولا يقصدون به الجمع في بعض الأحيان ولا يقصدون به التعظيم، الواحد منهم ما ذا يقول: الطفل الصغير إذا ذهب يشتري حاجة فهو ما ذا يقول للبائع؟ يقول: أعطنا كذا، وبعنا كذا، اشترينا منك كذا، أليس كذلك؟ وهو لا يقصد أن يعظم نفسه ولربما كان حافي القدمين ممزق الثياب تعلوه غبرة وهو واحد ويعلم أنه واحد، وهو أبعد ما يكون عن الكبر وعن تعظيم النفس، ومع ذلك يقول: أعطنا واشترينا وبعنا