يجعل له عوجًا، وما قال: وأنه لما قام محمد يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا، وإنما ذكره بوصف العبودية المطلقة من غير إضافة إلى اسمه أو من غير ذكر اسمه مجردًا، كل ذلك يدل على أن مقام العبد يرتفع ويشرف بقدر تحقيقه للعبودية لله جل جلاله.
فهذا الجواب الذي ذكره بعض أهل العلم مفاده: أن العبد يشرف بالعبودية، ولئلا يخالطه شيء من العجب عقبه بذكر الاستعانة لدفع الغرور عنه لما ارتفع إلى هذا المقام فناسب هذا التعقيب (وإياك نستعين) .
ولهذا يقول العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره، يقولون: إن قوله (إياك نعبد) تدفع الإشراك مع الخلق وبالخلق، فلا يلتفت قلبه إلى أحد للرياء أو للسمعة، ولا يتوجه إلى شجر أو حجر أو غير ذلك ليتعبد لله عز وجل.
(إياك نعبد) أي أننا نفردك بالعبادة وحدك، وأما (إياك نستعين) فهي لطرد الإشراك بالنفس لئلا يلتفت الإنسان إلى نفسه ويعجب بعمله، ومن ثم يصاب بداء يحبط الأعمال وهو الزهو والإدلاء على الله عز وجل والغرور والعجب بسبب هذه الأعمال الصالحة.
وبعضهم يقول: إن قوله (إياك نعبد) هذا موجه لله (وإياك نستعين) هذا يكون به، وما كان له فهو مقدم على ما كان به، وهذا يرجع إلى بعض الأجوبة السابقة، يقولون: إن الأول: ما كان له؛ متعلق بمحبته ورضاه، يعني ألوان العبوديات التي توجه لله عز وجل يُتقرب بها إليه لا يتقرب إليه إلا بشيء يحبه ويرضاه، وأما الاستعانة: فهي طلب العون، فهي منه وليست له، وما كان متعلقًا بمحبته ورضاه فهو أكمل وأشرف مما تعلق بمشيئته وإرادته، فالإعانة متعلقة بمشيئته وإرادته، والعبادة متعلقة بمحبته ورضاه، فالله يحب أن يعبد، ويحب أن يتقرب له بألوان القربات، هذا هو الفرق بينهما والله تعالى أعلم.
وقد ذهب بعض الأئمة ككبير المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله: إلى أنهما متلازمان، فالعبودية تتضمن الاستعانة، إذا حقق العبد العبودية لله عز وجل فهذا يتضمن أنه يستعين بالله لا يستعين بغيره، لأن من ألوان العبادة الاستعانة بالله عز وجل وألوان الدعاء والمسألة وغير ذلك.
والاستعانة يلزم أن تكون بالمعبود بالرب وحده لا شريك له حتى يكون العبد محققًا للعبودية، لا يكون محققًا للعبودية إلا بتحقيق هذا المعنى، فهي قضايا متلازمة ومن ثم فلا إشكال أن يتقدم أحدهما على الآخر.
هذه أجوبة ذكرها العلماء رحمهم الله على وجه تقديم العبادة على الاستعانة في قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) .
وإذا نظرت إلى هذه الآية الكريمة (إياك نعبد وإياك نستعين) نلاحظ أنه عبر بالنون (نعبد) فهذه النون تحتمل أحد أمرين:
إما أن تكون للجمع، والقائل واحد؛ فكيف عبر بالجمع؟
وإما أن تكون للتعظيم، لأن المعظم نفسه يعبر بنون الجمع، يقول: أمرنا بكذا وهو واحد، وقلنا كذا، وذكرنا كذا، وأشرنا بكذا، ورأينا كذا، وحكمنا بكذا، وليس معه أحد آخر، يقول ذلك معظمًا نفسه.
فالإشكال على الأول إذا قلنا إنها للجمع، كيف صارت للجمع، كيف عبر بالجمع والقائل واحد؟