فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 94

مطلوبه فإن ذلك يكون من قبيل الشرك، فإذا حققت العبودية لله عز وجل، فهذا يعني ضمنًا أنك لا تستعين بغير الله جل جلاله، فقدمت العبودية (إياك نعبد) على الاستعانة لأن الاستعانة مضمنة فيها.

وهناك جواب آخر وهو الخامس: أن الاستعانة جزء من العبادة، وهذا في الواقع عائد إلى الرابع.

وجواب سادس: أن الاستعانة طلب منه والعبادة طلب له، بمعنى أنك إذا استعنت فأنت تطلب من الله عز وجل المدد والعون، وإذا توجهت بعبادتك لله عز وجل، فأنت تصرف له ألوان الأعمال الصالحة، تتقرب بذلك إليه، فالعبادة له، والاستعانة منه، العبادة من العبد للرب، والإعانة من الرب للعبد، فقدمت العبادة على الاستعانة لربما لهذا المعنى.

وهناك جواب سابع قاله بعض أهل العلم: أن العبادة لا تكون إلا من مخلص، تحقيق العبودية لله عز وجل، ليس أفراد العبادات، وإنما تحقيق العبادة لله عز وجل، أن تكون عبدًا لله كما أمر لا يكون ذلك إلا مع الإخلاص، وأما الاستعانة فإنها تكون من مخلص ومن غيره؛ كل من احتاج فإنه يستعين، ولذلك كان أهل الإشراك إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فالاستعانة تصدر من أهل الإخلاص ومن غيرهم.

وأما الجواب الثامن: وهو أن العبادة هي حقه الواجب عليك، والاستعانة هي طلب العون على العبادة، وأداء حق الله عز وجل أهم مما يتعلق بحاجة العبد وفقره، وهذا في الواقع عائد إلى بعض الأجوبة السابقة.

وجواب تاسع: وهو أن العبادة شكر نعمته عليك، والله يحب أن يشكر، والإعانة هو فعله بك وتوفيقه لك، فإذا التزمت بعبوديته ودخلت تحت رقها أعانك عليها، فكان التزامها والدخول تحت رقها سببًا لنيل الإعانة، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من الله له أعظم، فالإعانة على قدر تحقيق العبادة، ولهذا قال الله عز وجل (وإن جندنا لهم المنصورون) وقال (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) فنصر الله وكلاءته وألطافه أقرب ما تكون من أهل تحقيق العبودية لله جل جلاله.

فالعبودية محفوفة بإعانتين:

الأولى: إعانة قبلها على التزامها والقيام بها.

وأما الثانية: فهي إعانة بعدها على عبودية جديدة أخرى، وهكذا.

وبعض أهل العلم يقولون وهو العاشر: لما كانت عبودية الله تعالى هي أشرف مقام يصل إليه العبد، أتبع قوله (إياك نعبد) بقوله (إياك نستعين) لئلا يتعاظم المرء في نفسه ويداخله العجب بعبادته، بمعنى أن العبد إذا حقق العبودية يكون قد ارتقى وارتفع، وأعلى مقام يصل إليه العبد هو مقام العبودية، فشرف العبد على قدر عبوديته لله جل جلاله، ولهذا يقول الله عز وجل عن نبيه صلى الله عليه وسلم في أشرف المقامات (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا) وقال (فأوحى إلى عبده ما أوحى) في مقام الإيحاء، وقال (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا) وذلك في مقام الإنزال، إنزال الكتاب، وقال في مقام الإسراء (سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام) فهذه أشرف المقامات، وذكر الله عز وجل بها رسوله صلى الله عليه وسلم الذي فعل به هذه الأمور الكريمة الشريفة ذكره بوصف العبودية، ما قال: سبحان الذي أسرى بمحمد ليلًا من المسجد الحرام، وما قال: الحمد لله الذي أنزل على محمد الكتاب ولم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت