(أيما شاطن) أي شيطان، فجعله من شطن أي بعد، شطن فهو شاطن.
ويمكن أن يكون (الشيطان) مأخوذ من شاط يشيط، لا شطن، شاط يشيط، تقول: استشاط فلان غضبًا، فهذا يدل على المبالغة والامتلاء والكثرة، (شاط) أي أنه هاج أو اشتد غضبًا، هلك، احترق، ولا يخفى الارتباط بين هذه المعاني وبين الشيطان، فهو متمرد عاتٍ، ولا شك أن الشيطان هالك، ولا شك أنه محترق، وأن أصله من النار، وكذلك أيضًا تعرفون طبيعة النار ما فيها من الخفة والارتفاع والاضطراب والحركة، وما فيها من الإتلاف، وما فيها من الحرارة.
فلفظ (شاط يشيط) له تعلق بهذه المعاني، ولهذا يقال لمن عتا وتمرد يقال عنه: شيطان بهذا الاعتبار، كما قال الشاعر يصف الغواني:
أيام يدعونني الشيطان من غزل ... وكنّ يهوينني إذ كنت شيطانًا
(يدعونني الشيطان) يعني يقول حينما كنت في زمن الشباب والقوة والفتوة والحسن والوضاءة فإنهن يداعبنه ويتغزلن به، فتسميه الواحدة منهن تسميه: الشيطان، لكثرة فسادة ولكثرة تمرده ولكثرة عتوه ولكثرة فجوره، فالواحدة منهن تعجب به، فتقول له على سبيل الاستملاح تقول له شيطان.
(أيام يدعونني الشيطان من غزل) يعني تقول ذلك متغزلة.
(وكن يهوينني إذ كنت شيطانًا) يقول أما الآن لما صار المِفْرَق أبيضًا من الشيب وتبدلت الحال وذهبت نظارة الشباب أصبح هؤلاء الغواني لا ينظرن إلي بحال من الأحوال.
وإذا قلنا إن الشيطان مأخوذ من: شاط يشيط، فهو على وزن فعلان، ولا شان هذا ألون يدل على الامتلاء، تقول: عطشان، شبعان، رحمن وما إلى ذلك، فهو يدل على الامتلاء من هذا الوصف المذكور.
(أعوذ بالله من الشيطان) (أل) هذه في الشيطان هل هي للعهد فأنت تعوذ بالله من الشيطان الذي هو إبليس الذي أخرج أبانا آدم - من الجنة وسلبنا منها فأنزلنا في هذه الأرض كما قال ابن القيم رحمه الله:
وإنما نحن سبي العدو فيا ترى ... نرد إلى أوطاننا فنسلم
هل المقصود به إبليس، ولا شك أنه كبير الشياطين، فإذا قلنا إن (ال) عهدية فمعنى ذلك أنك حينما تقول: أعوذ بالله من الشيطان يعني الشيطان المعهود وهو إبليس الذي أخرجنا من الجنة الذي توعدنا وقال: (لأغوينهم أجمعين) أو أن المقصود بـ (ال) هنا الجنس، وهل يفترق المعنى؟ الجواب: نعم، فإذا قلنا إنها للجنس فمعنى ذلك أننا حينما نقول (الشيطان) أي نعوذ بالله من كل شيطان، وهذا يشمل إبليس وجميع شياطين الجن، وجميع شياطين الإنس، فنستعيذ بالله عز وجل من كل موصوف بهذا الوصف القبيح من الشياطين (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين. وأعوذ بك رب أن يحضرون) فجعل الاستعاذة من همزات الشياطين جميعًا، وأخبر أن الشياطين كما سبق (يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) يعني شياطين الإنس وشياطين الجن، وقال الله عز وجل عن وحي الشيطان (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون)