فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 94

إنما يتعلق بمخالفة هذا الصراط، وبالانحراف عنه، فإذا سلكه الإنسان وسار عليه سيرًا صحيحًا مع حسن القصد، فإن ذلك يكون سببًا لنيل مرضاة الله تبارك وتعالى.

كما أن هذه السورة أيضًا تشتمل على الرد على جميع طوائف الانحراف وذلك في قوله (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) إذ لا يخلو كل من ضل عن سلوك أحد هذين السبيلين، وعن الاتصاف بأحد هذين الوصفين: إما أهل الضلال وإما أهل الغضب كما بينت.

كما أنها تشتمل على الشفاءين: شفاء الأبدان وشفاء القلوب والله عز وجل يقول: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) فجعله شفاء ولم يصفه بأنه دواء، ولاحظ الفرق، قد تقول أنت: هذا دواء، ولكنه لا يناسبك أو لا يناسب من يصرف إليه فيتخلف عنه البرء بل قد ينعكس الحال فيكون ضررًا عليه.

فتأمل في قوله تبارك وتعالى (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء) ما قال فيه دواء، فعبر عن الغاية التي يوصل إليها والنتيجة المضمونة المأمونة وهي أنه شفاء ما قال دواء، فإن الدواء قد لا يتحصل أثره ولا يترتب عليه نتيجته المرجوة لوجود مانع أو لفقد شرط بينما وصفه الله عز وجل بأنه شفاء.

وهكذا القرآن (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا) وأعظم ذلك سورة الفاتحة فهي مشتملة على شفاء القلوب، لأنها بينت صفة المعبود، وبينت الطريق الموصل إليه، وبينت أيضًا الطرق الأخرى التي تجافيها وتخالفها.

كما أنها أيضًا تشتمل على شفاء الأبدان وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (وما أدراك أنها رقية) فأبلغ ما يرقى به الإنسان في علته ومرضه أيًا كانت إنما هو سورة الفاتحة فهي مشتملة على هذا وهذا، ومن نظر إلى أحوال الناس في عللهم وأمراضهم وأسقامهم أيًا كانت ونظر في أثر القرآن لا سيما في سورة الفاتحة نظر في أثر ذلك وجد عجبًا، وابن القيم رحمه الله كان يذكر عن نفسه أنه مرض بمكة فكان يرقي نفسه بسورة الفاتحة فقط، يقول: فرأيت لذلك أثرًا عجيبًا، وانظر إلى حال من يبتلون بتسلط الشياطين وبمسهم لهم كيف إذا قرئ عليهم القرآن سيما سورة الفاتحة رأيت لذلك أثرًا عجيبًا بليغًا.

وذلك الرجل الذي لدغ كما في حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - فجاء أصحابه وقومه إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: هل فيكم من راق؟ فرقاه رجل منهم فقام كأنما نشط من عقال، كأنه ليس به بأس وقد لدغ.

فالحاصل أن هذه السورة مشتملة على هذا وهذا.

كما أنها أيضًا تشتمل من جهة أو على سبيل التفصيل على شفاء القلوب، لأن علل القلوب وأمراض القلوب يدور على أصلين:

فساد العلم، وهذا ينشأ عنه الضلال.

وفساد القصد، وهذا ينشأ عنه الغضب، والشفاء منه في الهداية إلى الصراط المستقيم، ولهذا نقول: (اهدنا الصراط المستقيم) .

وأما الشفاء من الغضب فهو بالتحقق من (إياك نعبد وإياك نستعين) (إياك نعبد) فمن عبد غير الله فقد حصَّل أعظم أسباب الغضب (وإياك نستعين) فإن هذا يدفع العجب عن الإنسان، الأول يدفع الشرك والرياء (إياك نعبد) أن توحد القصد والإرادة فتريد وجه الله عز وجل فحسب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت