الملوك من أول الدنيا إلى آخرها، ويجتمع فيه العوالم من الجن والإنس والدواب والطير كل ذلك يجتمع في ذلك اليوم مع أهل السماوات، فإن هذا يقتضي أن ما عداه فإن ذلك متحقق لله عز وجل من باب أولى، فالله عز وجل هو المالك وهو الملك كما سيأتي إيضاحه في الكلام على هذا الموضع من سورة الفاتحة بإذن الله عز وجل.
ثم أيضًا تأمل لفظ (الدين) وهو الجزاء والحساب، فالذي يتولى حساب الناس، والذي يتولى جزاءهم هو الله وحده لا شريك له، ولذلك فإن الله عز وجل يبين لنبيه في مواضع من كتابه أن الذي عليه هو البلاغ فقط وأن الحساب إنما هو على الله عز وجل (إن عليك إلا البلاغ) فمهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام هي البلاغ والله عز وجل هو الذي يتولى حسابهم بعد إيابهم، فهذا معنىً يختص بالله تعالى.
ثم أيضًا تأمل في قوله (إياك نعبد) من جهة تقديم المعمول، فهذا يعني الإفراد بالعبادة التوحيد، ومن جهة الفعل (نعبد) (إياك نعبد) فجميع الخلائق لا يخرجون عن هذا الاتصاف، إما طوعًا أو قهرًا.
قهرًا: (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا) وطوعًا: هؤلاء هم أهل الإيمان والاستجابة، فالخلق جميعًا هم عبيد لله تبارك وتعالى.
ثم أيضًا تأمل في قوله (إياك نستعين) من جهة تقديم المعمول أيضًا، إذ إن ذلك يدل على الحصر، فهو المستعان به وحده، وكذلك أيضًا الاستعانة تدل على عجز وفقر بالنسبة للمستعين، وتدل على كمال وقوة واقتدار وغنى بالنسبة للمستعان به.
ثم أيضًا تأمل في وجه تخصيصه بطلب الهداية من جهة جمع الضمير في قوله (اهدنا) تطلب الهداية من الله عز وجل، وكذلك أيضًا تقول (اهدنا) فالخلق جميعًا مفتقرون كل الافتقار إلى هداية الله عز وجل ولطفه ورحمته بهم فيبين لهم الحق ويوفقهم لاتباعه.
ثم أيضًا كون هذه الهداية مقيدة بأنها إلى الصراط المستقيم، والصراط المستقيم إنما هو التوحيد والإيمان، ولا يمكن أن يكون ذلك بعبادة غير الله عز وجل أو التخليط في هذا المعنى.
ثم تأمل أيضًا في قوله (صراط الذين أنعمت عليهم) لأن من يهدي إلى هذا الصراط الذي هو صراط من أنعم الله عليهم يستحق ألا يشتغل بغيره (صراط الذين أنعمت عليهم) لماذا يلتفت إلى غيره فيخضع المخلوق لهم ويُعَبِّدُ نفسه إليهم، لا يحصل من وراء ذلك إلا الخيبة والذل لمخلوق يماثله، فالذي يهدي إلى الصراط الصحيح المستقيم صراط أهل الإنعام هو الله عز وجل، فلماذا يلتفت إلى غيره، ولماذا يعبد غيره ويعظم غيره التعظيم الذي يستحقه الله عز وجل؟
ثم تأمل في قوله أيضًا (غير المغضوب عليهم) فالوصول إلى النعم قد يكون منغصًا مكدرًا بغضب المنعم، فالله عز وجل يبين لنا كيف ندعوه (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم) من غير غضب يصاحب ذلك ويداخله ويخالطه.
(غير المغضوب عليهم ولا الضالين) وذلك أنه قد يتوهم متوهم أن تحصيل الرضا ممن يطلب منه الرضا قد يكون مشوبًا بشيء من الغواية، وأما هذا الرضا الذي نطلبه من الله عز وجل هو رضًا بسلوك طريق مستقيم لا يشوبه غواية وانحراف وضلال كما أنه لا يلحق صاحبه غضب وسخط لله عز وجل، لأن الغضب والسخط