فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 94

لأن هذا يعني الاستغراق استغراق جميع المحامد، وكما قلت لا يكون إلا للكامل، لا يكون ذلك إلا للكامل من كل وجه.

وكذلك لام الاستحقاق الداخلة على لفظ الجلالة (الحمد لله) أي أن الحمد مستحق لله تبارك وتعالى وحده لا شريك له، والمقصود بهذا الحمد هو الحمد التام، وأما المحامد التي تضاف إلى المخلوقين فهي بحسب ما اتصفوا به من أوصاف الكمال، ولذلك يتفاوتون، فتجد أن بعضهم يحمد بما لم يحمد به الآخر، والحمد الموجه إلى بعض الضعفاء المساكين من المخلوقين قد يكون أكثر من بعض إخوانهم من المخلوقين، وأما الله عز وجل فله الحمد الكامل (الحمد لله) فاللام هنا للاختصاص أو للاستحقاق.

وكذلك دلالة الرب وإضافته إلى العالمين، فالرب هذا يدل على توحيد الربوبية يتضمن توحيد الربوبية، وهو يستلزم توحيد الإلهية.

وكذلك أيضًا حينما يضاف إلى العالمين (رب العالمين) فمعنى ذلك أنه رب العالَم العلوي والسفلي، وكذلك أيضًا دلالة العالمين وهو اسم لما سوى الله عز وجل، فليس ثمت خالق أو مخلوق، فكل هذا الخلق هو من جملة العالمين (قال فرعون وما رب العالمين) يقول لموسى - صلى الله عليه وسلم - يقول (وما رب العالَمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما) فهذا هو العالَم أو معنى العالَمين، ويدخل فيه كل شيء مما سوى الله عز وجل، فالله ربه ومليكه.

ثم تأمل في (العالمين) (رب العالمين) فهذا يدل على الاستغراق أيضًا، وكذلك مجيء العلامين بصيغة الجمع فهو لا يختص بالعالَم السفلي مثلًا أو العالَم العلوي أو يختص بعالَم الآدميين أو بعالَم الجن؛ وإنما رب العالمين من جميع الكائنات من الطيور وأنواع الدواب والآدميين والجن والملائكة وما إلى ذلك مما لا يحصيه ولا يعلمه إلا الله جل جلاله.

وتأمل أيضًا في قوله (الرحمن الرحيم) حيث إنه يتضمن صفة الرحمة لله عز وجل.

وكذلك أيضًا تأمل في دلالة (مالك يوم الدين) من جهة دلالة لفظة (مالك) بمفردها، وفي القراءة الأخرى (ملك) أي أنه الذي له الملك المطلق، وهذا لا يعارض أن بعض المخلوقين يقال له (ملك) لأن ملكهم إنما هو بتمليك الله عز وجل (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) ثم إن ملك المخلوقين مسبوق بالعدم ويعقبه الزوال والذهاب فهم إما أن يموتوا عنه وإما أن يفارقهم في حياتهم، وأما ملك الله عز وجل فهو كامل ثابت راسخ لا يتبدل ولا يزول، ثم إن هذا الملك أضافه الله عز وجل إلى يوم الدين، وتأمل هذه الإضافة مع أن الله عز وجل مالك العالم العلوي والسفلي فكله ملك لله عز وجل، فالله مالك يوم الدين وملك يوم الدين لأن ذلك اليوم هو اليوم الأعظم، هو اليوم الذي يخضع فيه الخلائق ويقول الله عز وجل لهم (لمن الملك اليوم) فهو لله الواحد القهار، فلا أحد يدعي في ذلك اليوم ملكًا، بينما في الدنيا قد يدعي الملك بعض المخلوقين وهم تحت ملك الله عز وجل وتصرفه، ولهذا يقال: إذا كان الله عز وجل مالكًا ليوم الدين فما دونه من الأيام فملك الله عز وجل له أبلغ وآكد وأعظم فذلك من باب أولى، فلا يفهم أحد أن الله عز وجل هو مالك ليوم الدين وليس مالكًا لغيره كهذه الحياة الدنيا، لا، إذا كان في ذلك اليوم الكبير الذي يجتمع فيه الأولون والآخرون يجتمع فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت