بعد ذلك وقبل أن أبدأ بسورة الفاتحة لا بأس أن أبين المراد بالسورة، سورة الفاتحة، وأذكر على سبيل الإلحاق الكلام على الآية، ما معنى الآية.
فالسورة فيها لغتان صحيحتان لا حرج عليك ولا بأس بأيهما نطقت.
فلك أن تقول: بالهمز سؤرة، ولك أن تقول: سورة بالتسهيل من غير همز، فهذا كله صحيح.
فإذا قلت سُؤْرَة جمعتها على سُؤَر، تقول: سُؤَر القرآن، قرأت سُؤْرَة من القرآن، وقرأت سُؤَر القرآن، هذا كله صحيح، فهي بالهمز من أَسْأَرتُ الشيء، ويقال: السؤْر، فأسأرت بمعنى أفضلت، والسؤْر هو البقية من الشيء، تقول: هذا سؤْر من الطعام، هذا سؤْر فلان، يعني بقية الطعام التي بقيت منه، فيقال له سؤْر، فالبقية سؤْر، فالسورة كأنها بهذا الاعتبار قطعة وجزء من كتاب الله عز وجل، فهي بعض منه.
وأما من غير همز بالتسهيل تقول: سورة؛ فتجمع بهذا الاعتبار على سور وتجمع أيضًا على سُوْرَات وسُوَرَات.
وأصل السين والواو والراء سورة أصلها يدور على معان محددة وإذا ضبطت هذه المعاني وتأملتها عرفت من أين قال العلماء رحمهم الله من أين قالوا إن معنى سورة هو كذا أو كذا أو كذا أو كذا.
فالسورة تدور على معنى الإحاطة، ومنه السور، سور البلد، والسوار الذي يكون على المعصم أو على الساعد السوار، والسير الذي يربط أيضًا على الساعد أو يربط على الوسط وكذلك الذي يكون في الآلة يقال له سير باعتبار معنى الإحاطة وهكذا، ففيها هذا المعنى وفيها معنى الارتفاع، سور البلد فيه معنى الارتفاع، السور ليس منخفضًا وإنما هو مرتفع لحماية البلد، وفيه أيضًا معنى العلو والارتفاع، ومن الارتفاع والعلو أو الآن السورة يا إخوان إذا قلنا من الارتفاع فهي بمعنى المنزلة، هي منزلة شريفة من القرآن لشرف منزلتها لعلو قدرها لرفعتها كما قال الشاعر:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
ألم تر أن الله أعطاك سورة، يعني: منزلة، يمدح هذا الملك يقول الله أعطاك مرتبة ومنزلة ترى كل ملك دونها يتذبذب، فهذه هي المنزلة، فلعظم منزلتها لرفعتها لدرجتها السامية في كتاب الله عز وجل قيل لها سورة لهذا الاعتبار.
ومن الإحاطة؛ فيكون ذلك باعتبار أنها تحيط بالآيات التي تضمنتها، , وأيضًا فيها معنى القوة، ومنه يقال: سَوْرة الغضب، ويقال: سَورة الأسد، وسَورة الشجاع، وسَورة المقاتل، وسَورة الشراب يعني المسكر الخمر، سَورة الشراب أي شدته التي تؤثر الإسكار.
فقوة السورة بهذا الاعتبار يمكن أن يقال بأنها أعظم من قوة الآية أو لمناعتها لأنها من كلام الله عز وجل.
وكذلك تأتي هذه اللفظة المكونة من السين والواو والراء، تأتي بمعنى الجماعة، ومنه قولهم: سُورٌ من الإبل أي جماعة من الإبل، لأنها تشتمل على جماعة الآيات، وتأتي بمعنى الإبانة باعتبار أنها مستقلة عن غيرها، وتأتي بمعنى التمام باعتبار أنها تامة من جهة أنها مستقلة عن غيرها ومن جهة أيضًا أنها مشتملة على أكمل المعاني، فليس فيها نقص بوجه من الوجوه.