وهذا قال به أحمد وابن المبارك ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وداود الظاهري وكبير المفسرين ابن جرير الطبري وإمام الأئمة ابن خزيمة وابن قدامة المقدسي صاحب المغني ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أنها آية مستقلة تنزل مع كل سورة للفصل بين السور لكنها ليست في عداد آي السورة.
وعلى كل حال؛ لو أن قائلًا جمع بين هذه الأقوال فقال: إن البسملة ثبت في بعض القراءات أنها آية من الفاتحة، وثبت في بعض القراءات الأخرى أنها آية من كل سورة عدا براءة، وثبت في بعض القراءات أنها ليست آية لا من الفاتحة ولا من غيرها من السور، لو قال قائل ذلك ونظر هذا النظر وقال كل هذه القراءات حق ثابتة صحيحة من عند الله عز وجل، ويجوز أن يقرأ الإنسان بكل واحدة من هذه القراءات الثابتة المتواترة الصحيحة.
وبالتالي فمن قرأ بقراءة أحد من القراء الذين تصح قراءتهم من قرأ بقراءته التي تكون البسملة آية فيها من الفاتحة فلا ينبغي له أن يسقطها، ومن قرأ بقراءة قارئٍ الفاتحةُ عنده آية من كل سورة فإنه لا يسقطها في بداية السور.
وهكذا؛ إذا قرأنا المعوذات مثلًا وقل هو الله أحد بعد صلاة المغرب مثلًا فهل نبسمل فيما بينها، نقول: إذا قرأت بقراءة قارئٍ يبسمل فإنك تبسمل، وإذا قرأت بقراءة أخرى فلا بأس من إسقاط البسملة، وهكذا الفاتحة، إذا قلنا إنها آية من الفاتحة فمعنى ذلك أن من أسقطها أسقط آية من الفاتحة ولا تصح صلاته، وإذا قلنا إنها ليست بآية من الفاتحة فمعنى ذلك أن الصلاة صحيحة من دونها، ولكن هذا التفصيل الذي ذكرته تجتمع فيه الأقوال.
فمن قرأ بقراءةٍ البسملة آية فيها من الفاتحة بسمل وإلا فإن له أن يسقطها، وهذا الذي أشار إليه صاحب مراقي السعود بقوله:
وبعضهم إلى القراءة نظر ... وذاك للوفاق رأي معتبر
يعني أنه يجمع الأقوال أن ننظر إلى القراءة قراءة القارئ.
ولهذا تلاحظون أن الشافعي رحمه الله وهو من أهل مكة وأخذ قراءة أهل مكة وهي قراءة ابن كثير، أهل مكة البسملة آية عندهم من سورة الفاتحة، ولهذا المشهور في مذهب الشافعي أن البسملة آية من الفاتحة، بأي اعتبار؟ باعتبار أن الشافعي رحمه الله كان يقرأ بقراءة ابن كثير وهي قراءة أهل مكة، وهكذا ينبغي أن يقال والله تعالى أعلم.
ويؤخذ من افتتاح المصاحف أو افتتاح السور أو افتتاح سورة الفاتحة بالبسملة مشروعية افتتاح الرسائل والخطب أو الكتب بالبسملة، ولا أعني خطبة الجمعة، فإذا أراد أن يلقي الإنسان كلمة فإنه يبدأ بالبسملة، إذا أراد أن يؤلف كتابًا فإنه يبدأ بالبسملة، وهذا يكفي بصحة البداءة بالبسملة في الرسائل والكتب، وأما حديث (كل أمر لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر) فإنه لا يصح، لكننا من أين نأخذ هذه المشروعية؟ بأن السور مفتتحة بالبسملة، وكذلك كتب النبي صلى الله عليه وسلم الرسائل التي كان يرسلها كان يفتتح ذلك بالبسملة، ففيه أسوة في ذلك.
وهذا نهاية الكلام على البسملة.