ثم إذا نظرت إلى هذا الاسم الكريم (الله) فإنه أيضًا لا يصلح للمخلوق بحال من الأحوال أن يسمى به فحق لهذا الاسم أن يقدم على غيره فيقال: (الله الرحمن الرحيم) .
ثم ثنى بالرحمن، ويمكن أن يقال في بيان وجه ذلك؛ هو أن الرحمن اسم يختص بالله عز وجل لا يصلح لغيره، فلا يسمى المخلوق بالرحمن، ولكن من جهة المعنى، فإن الرحمن يتضمن صفة الرحمة، وصفة الرحمة يمكن أن تضاف إلى المخلوق ويكون له من هذه الصفة بحسب ما يليق به، فالخالق له ما يليق به من الرحمة، والمخلوق له ما يليق به منها، فالرحمة تضاف إلى المخلوق بينما الألوهية لا تضاف إلى المخلوق، فصار الفرق من هذه الجهة بين الله وبين الرحمن أن الله لا يصلح للمخلوق هذا الاسم لا لفظًا لا من جهة التسمية المجردة ولا من جهة المعنى، فالمعنى لا يصلح إطلاقًا للمخلوقين (الألوهية) وأما الرحمن فإنه لا يصلح للمخلوق من باب اللفظ التسمية، ولكنه يصلح له من الرحمة من معناه بحسب ما يليق بالعبد المربوب المخلوق، هكذا يقال.
ثم الرحيم فإن هذا الاسم يسمى به المخلوق ويوصف به فيكون للمخلوق نصيب منه في اللفظ والتسمية ونصيب أيضًا من جهة المعنى والاتصاف، فيقال: فلان رحيم ويقال ذلك على جهة التسمية ويقال أيضًا فلان يرحم فلان يرحم الضعفاء فلان موصوف بالرحمة وما شابه ذلك، فلربما كان ذلك هو سبب تأخيره ثالثًا والله تعالى أعلم.
بعد ذلك أنتقل إلى مسألة أخرى، وهي: هل البسملة آية من سورة الفاتحة؟ أو أنها آية من كل سورة عدا براءة؟ أو أن البسملة آية مستقلة فصل بين السور؟ أو أنها جزء من آية وليست آية مستقلة؟
بعض أهل العلم يقولون: ليست بآية، وإنما هي بعض من آية في سورة النحل وهي قوله تبارك وتعالى عن ملكة سبأ في الكتاب الذي جاءها: (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) فيقولون هي بهذا الاعتبار من القرآن، جزء من آية، وتكتب بين السور للاستفتاح والابتداء والتبرك والفصل بين السور لا باعتبار أنها آية من القرآن، وهذا الذي عليه قراء المدينة والبصرة والشام، وبه قال مالك والأوزاعي ونسب إلى أبي حنيفة وإلى بعض أصحابه، وهو قول في مذهب الإمام أحمد رحمه الله واختاره طائفة، وأنكره بعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
وذهب بعضهم إلى أنها آية من الفاتحة فقط وهذا الذي عليه عامة القراء والفقهاء من أهل مكة والكوفة وهو مذهب الشافعي المشهور وبه قال جماعة من السلف كسعيد بن جبير وهو رواية أخرى عن الإمام أحمد، وبه قال إسحاق بن راهوية وقال به أيضًا أبو عبيد القاسم بن سلاّم والزهري وعطاء وغير هؤلاء.
وذهب بعضهم إلى أنها آية أو بعض آية من كل سورة سوى براءة، وهذا منقول عن قراء مكة وبعض قراء الكوفة وبعض فقهائها، أنها آية أو بعض آية من كل سورة سوى براءة، يعني أنها في عداد آي السورة ونقل ذلك أيضًا عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، ونقل أيضًا عن جماعة من السلف كمكحول وطاووس، وهو قول أيضًا في مذهب الشافعي، وهو رواية أيضًا ثالثة في مذهب الإمام أحمد، وبه قال أيضًا جماعة من فقهاء الأمصار رحمهم الله تعالى.
وذهب بعضهم إلى أنها آية مستقلة من القرآن، ليست محسوبة ضمن السورة، أنها آية مستقلة وليست جزء من آية إلا في سورة النمل فهي آية مستقلة، فصل بين السور فهي تنزل مع كل سورة للفصل لا أنها آية منها.