القول الثاني: قول القائلين بوقوعه: وقد استدلوا على ذلك _ كما قال أبو عبيد القاسم بن سلام _ بما =روي عن ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، وعكرمة، وعطاء وغيرهم من أهل العلم أنهم قالوا في أحرف كثيرة: إنها بلغات العجم، ومنها قولهم: طه، واليم، والطور، والربانيون فيقال: إنها بالسريانية.
والصراط، والقسطاس، والفردوس يقال: إنها بالرومية.
ومشكاة، وكِفْلَينِ يقال: إنها بالحبشية.
وهيت لك إنها بالحورانية؛ فهذا قول أهل العلم من الفقهاء+ (1) .
وأجاب المجيزون لوقوع المُعَرَّب عن قوله _ تعالى _: [قُرْآنًا عَرَبِيًّا] بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربيًا، وأن القصيدة بالفارسية لا تخرج عنها بلفظة عربية تكون فيها.
وأجابوا عن قوله _ تعالى _: [أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ] بأن المعنى من السياق =أكلام أعجمي ومخاطب عربي+.
القول الثالث: التوفيق بين الرأيين والجمع بين القولين: قال أبو عبيد القاسم بن سلام بعد أن حكى القولين السابقين:
=والصواب عندي مذهبٌ فيه تصديق القولين جميعًا؛ وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب؛ فعرَّبتها بألسنتها، وحوَّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها؛ فصارت عربية، ثم نزل القرآن، وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب؛ فمن قال: إنها عربية فهو صادق، ومن قال: أعجمية فصادق+ (2) .
ومال إلى هذا القول الجواليقي، وابن الجوزي وغيرها.
قال الجواليقيي: =وذلك أن هذه الحروف بغير لسان العرب في الأصل، فقال أولئك على الأصل، ثم لفظت به العرب بألسنتها، فعرَّبته؛ فصار عربيًا بتعريبها؛ فهي عربية في هذه الحال، أعجمية الأصل؛ فهذا القول يصدِّق الفريقين جميعًا+ (3) .
(1) _ المزهر 2/268
(2) _ الإتقان 2/108 وانظر المعرب للجواليقي ص6.
(3) _ المعرب ص6.