الصفحة 359 من 560

قال الرافعي عن هذا النظام: =وهو ما نسميه بالنظام البديع؛ لأنه في ظاهره نوع من الفوضى؛ وذلك أنهم يعتمدون في ضرب من كلامهم على اللمحة الدالة، والإشارة التي تقع موقع الوحي، وعلى أضعف أثر يشير إلى وجه الكلام ومذهبه، ويَهدي إلى طريق المعنى فيه، ثم يطلقون الكلام إطلاقًا غير مقيد بنظام، ولا متبع لطريق غيره من سائر الكلام؛ وذلك نظم ينفردون به، ولا تجد القليل منه في لغة غيرهم إلا حيث تصيب أدلة النبوغ في أشعر الشعر ومأثور المنثور.

وقد سماه علماؤنا (سُنَن العرب) وعقد الثعالبي على أمثلة منه القسم الثاني من كتابه (فقه اللغة) وسماه (سر العربية) .

ونحن نرى أن هذا النوع لم يكن في اللغة إلا بعد أن انصرف العرب إلى صنعة الكلام، وهذبوا حواشيه، وبلغوا الغاية في تنميق الشعر وإجادته، وذلك قبل الإسلام بما لا يتجاوز مائة سنة على الأكثر؛ لأن التفنن في العبارات لا يأتي إلا من كمال صنعة الألفاظ، ولأن ما عرف للعرب من ذلك قليل في جنب ما أتى به القرآن الكريم، وهذا معنى من معاني إعجازه؛ إذ جعل من عبارته أزمة لعقولهم، فكان يلفتها فجأة عن المعنى الظاهر، ثم يبغتها بروح الكلام، فتكون لها بينهما هزةٌ من الطرب الذي ينشأ عن إدراك العقل لما ليس في مقدوره مع رغبته فيه+ (1) .

ومن الأمثلة مما ذكره العلماء من سنن العرب التي يتحقق فيها نظام القرينة ما يلي (2) :

1_ مخالفة ظاهر اللفظ: كقولهم عند المدح: قاتله الله ما أشعره! فهم يقولون هذا ولا يريدون وقوعه، وكذلك قولهم: هَبِلته أمه، وثكلته، وهذا يكون عند التعجب من إصابة الرجل في رميه، أو في فعل يفعله.

2_ الحذف والاختصار، فيقولون: والله أفعل ذاك، ويريدون لا أفعل، فيحذفون حرف النفي.

(1) _ تاريخ آداب العرب 229.

(2) _ انظر المزهر 1/321_342، والصاحبي ص156_206، وتاريخ آداب العرب 1/229_231.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت