وذلك أنهم كثيرًا ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المُعَبَّر عنها؛ فيعدلونها بها، ويحتذونها عليها، وذلك أكثر مما نقدِّره، وأضعاف ما نستشعره.
ومن ذلك قولهم: خضم وقضم: فالخضم لأكل الرَّطْب كالبطيخ والقثاء وما كان نحوهما من المأكول الرطب.
والقضم للصلب اليابس، نحو قَضَمَتِ الدابةُ شعيرها، ونحو ذلك.
وفي الخبر: =قد يدرك الخضْم بالقضم+.
أي: قد يدرك الرخاء بالشدة، واللين بالشظف.
وعليه قول أبي الدرداء: =يخضمون ونقضم، والموعد الله+.
فاختاروا الخاء لرخاوتها للرطب، والقاف لصلابتها لليابس؛ حذو لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث.
ومن ذلك قولهم: النضح للماء ونحوه، والنضخ أقوى، قال الله_سبحانه_: [فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ] .
فجعلوا الحاء؛ لرقَّتها للماء الضعيف، والخاء؛ لغلظها لما هو أقوى منه+ (1) .
ثانيًا: نظام المعاني بالألفاظ:
قال الرافعي ×: عن هذا النظام: =والألفاظ في هذا النوع هي التي تسوس المعاني وتنزلها منازلها، وتضعها على أقدارها، لا من حيث إن اللفظ هو الذي يوجد المعنى، فذلك ظاهر الاستحالة، ولكن على أنه هو الذي يخصص المعنى إذا كان جنسًا، وهو الذي يؤكد مبالغة في تلوين صورته النفسية حتى تنطق أجزاؤه، وحتى يقوم كل جزء منها في البيان اللغوي مقام الكل الذي هو مادة الشعور الطبيعي+ (2) .
(1) _ الخصائص 1/509.
(2) _ تاريخ آداب العرب 227.