الصفحة 340 من 560

وذلك أن الله _ جل ثناؤه _ اختارهم من جميع العرب، واصطفاهم، واختار منهم نبيَّ الرحمة محمدًا"فجعل قريشًا قُطَّان (1) حرمه، وجيران بيته الحرام، وولاته؛ فكانت وفود العرب من فجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش في أمورهم، وكانت قريش تعلمهم مناسكهم، وتحكم بينهم."

ولم تزل العرب تعرف لقريش فضلها عليهم، وتسميهم (أهل الله) لأنهم الصريح من إسماعيل _ عليه السلام _ لم تَشُبْهُم شائبة، ولم تنقلهم عن مناسبهم ناقلة، فضيلةً من الله _ جل ثناؤه _ لهم، وتشريفًا؛ إذ جعلهم رهط نبيه الأولين، وعترته الصالحين.

وكانت قريش _ مع فصاحتها، وحسن لغاتها، ورقة ألسنتها _ إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم، وأصفى كلامهم؛ فاجتمع ما تخير من تلك اللغات إلى نحائزهم (2) ، وسلائقهم التي طبعوا عليها؛ فصاروا بذلك أفصح العرب.

ألا ترى أنك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم، ولا عجرفيَّة قيس، ولا كشكشة أسد، ولا كسكسة ربيعة، ولا الكسر الذي تسمعه من أسد، وقيس مثل: تِعلمون، ونِعلم، ومثل: شِعير، وبِعير+ (3) .

ثانيًا: عوامل سيادة لهجة قريش

لقد تضافرت عوامل عديدة جعلت قريشًا تسود العرب زعامة، ومدنية، ولغة قبل الإسلام.

ولقد مر شيء من ذلك فيما سبق، وفيما يلي إجمال لتلك العوامل:

1_ المكانة الدينية لموقع قريش: فقريش تقطن مكة، والعرب يحجون البيت الحرام، ويعترفون لقريش بالنفوذ الديني.

2_ العامل الاقتصادي: فأسواق مكة، وشهرتها الاقتصادية، وقيامها بين الشام واليمن جعل لقريش مكانة عظيمة بين القبائل.

3_ العامل الثقافي: حيث كان التجار والشعراء والخطباء يرتادون أسواق مكة، ومنتدياتهم الثقافية والأدبية.

(1) _ قطان: جمع قاطن، وهو المقيم.

(2) _ النحائز: جمع نحيزة، وهي الطبيعة.

(3) _ الصاحبي ص28_29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت