فمما لاشك فيه أن الله _ تعالى _ علم آدم _ عليه السلام _ الأسماء، ولو تركنا البحث والخلاف في معنى الأسماء، وتصورنا قدرًا من اللغة تعلمه آدم وأولاده من بعده ثم ذريتهم، وأضفنا إلى ذلك أن الله _ عز وجل _ قد وهب الإنسان قدرة على التعبير عما في نفسه؛ فذلك الجهاز المسمى بجهاز النطق، وذلك العقل المدبر المحرك للإنسان قادران على التعبير عما يستجد من أمور إما عن طريق التقليد والمحاكاة _ كما نرى في محاولات الأطفال _ وإما عن طريق الاصطلاح كما يحدث كلما جدَّ جديد في الحياة وُضع له الاصطلاح المناسب.
وبهذا يمكن الجمع بين النظريات جميعًا في تصور نشأة اللغة الإنسانية.
فصائل اللغات (1)
كان لاكتشاف اللغة السنسكريتية الهندية القديمة في أواخر القرن الثامن عشر أثر كبير في تطور الدراسات اللغوية في أوربا؛ ذلك أن البحث اللغوي الهندي كان يتميز بالدقة والاهتمام بالدراسات الوصفية، ويبتعد عن الجدل والفلسفة.
وقد تبين للغويين وجود أوجه شبه كبيرة بين السنسكريتية واللغات الأوربية، فدفعهم هذا إلى الاهتمام بالدراسة الوصفية والتاريخية والمقارنة للغات.
وقد كان علماء تلك الفترة في أوربا مهتمين بالبحث التاريخي، ويحاولون وضع دراسة تاريخية تطورية لكل علم متأثرين بنظرية دارون التطورية، كما كانوا يسعون إلى وضع قوانين لعلومهم، فسار علماء اللغة على هذا النهج؛ لأجل تحديد أوجه الشبه والاتفاق بين اللغات، والبحث عن الأصول المشتركة لهذه اللغات؛ رغبة في الوصول إلى ما يسمى باللغة الأولى أو الأم، ودراسة تطور اللغات، وكتابة تاريخها اللغوي، ووضع قوانين عامة للغات.
(1) -انظر مولد اللغة ص58 _ 67، وعلم اللغة د. علي وافي ص195 _ 228، وفقه اللغة د. عبده الراجحي ص13 _ 17، والوجيز في فقه اللغة العربية لعبدالقادر محمد مايو 74 _ 78 وأكثر هذا المبحث مستفاد من محاضرات أ. د. علي البواب على طلاب كلية اللغة العربية.