ومن هنا صحح المحققون إدخال هذه المسألة في علم الأصول من الفضول؛ ولهذا انصرف الباحثون مؤخرًا عن الخوض في هذا الموضوع، =وقررت الجمعية اللغوية في باريس عدم مناقشة هذا الموضوع نهائيًا، أو قبول أي بحث فيه لعرضه في جلسته+ (1) .
ومع صعوبة _ أو تعذر _ الوصول إلى رأي يرضى به الباحثون، ولا يجدون فيه نقصًا ولا عليه اعتراضًا _ إلا أنه لا بد من الإشارة إلى تلك النظريات التي سيقت حول تفسير نشأة الكلام الإنساني، وذلك لأسباب عديدة منها:
1-معرفة عناية العلماء في هذا البحث.
2-أن هذه القضية شغلت حيزًا من التفكير، ونالت قدرًا من وافرًا من الجهد.
3-بيان أن علماء المسلمين قد شاركوا في هذا الموضوع، وعرضوا آراءًا لا تقل جدية واستدلالًا عما قدَّمه غيرهم قديمًا وحديثًا، بل ربما فاقوا غيرهم، وسبقوه.
=نبذة موجزة عن النظريات الأربع+:
الأولى: نظرية التوقيف والإلهام: وخلاصة هذه النظرية عند القائلين بها أن اللغة الإنسانية إلهام، ووحي من الله _ عز وجل _ لا يَدَ للإنسان في وضعها؛ فهو أعجز من ذلك؛ فهي _ إذًا _ توقيفية لا مجال للاجتهاد فيها.
ولهذه النظرية أنصارها منذ أقدم العصور؛ فهي تنسب للفيلسوف اليوناني (هيرا لكيت) ت480ق. م.
ومال إليها بعض المُحدَثين منهم الأب الفرنسي (لامي) ت1711م.
وقد اعتمد غير المسلمين على أدلة نقلية؛ فقد ورد في التوراة أن الله _ تعالى _ خلق جميع الحيوانات والطيور ثم عرضها على آدم _ عليه السلام _ ليرى كيف يسميها؛ فوضع آدم أسماء لجميع الحيوانات المستأنسة، وطيور السماء، وذوات العقول.
وقد قال بهذه النظرية غير قليل من علماء المسلمين، ومنهم ابن فارس حيث قال ×: =أقول: إن لغة العرب توقيف، ودليل ذلك قوله _ جل ثناؤه _: [وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا] .
فكان ابن عباس يقول: علم الأسماء كلها.
(1) _ علم اللغة د. حاتم الضامن ص95.