أيها الأحبة.. هذه الخزنة التي رأيناها في المثال هي حياتنا الدنيا، التي يمكن أن نجمع فيها الكثير من كنوز وجواهر العمل الصالح الذي يكون لنا كنزًا وذخرًا عند ربنا، وفي المقابل يجب أن نحذر من الانغماس في شهوات الدنيا، أو الاستلقاء على فراش الغفلة، فتنتهي المهلة، ونخسر كثيرًا من المغنم، ونندم ولات حين مندم.. وصدق الله تعالى: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} .
نقل ابن الجوزي في بستان الواعظين عن بعض الصالحين أنه قال:"رأيت في المنام رجلا وهو في غابة وأمامه غزالة، وهو يجري خلفها وهي تفر منه، وأسد كأعظم ما يكون خلفه وقد هم أن يلحقه، والأسد يمد رأسه للرجل فلا يجزع منه، ثم يجري خلف الغزالة حتى لحق به الأسد فقتله ، فوقفت الغزالة تنظر إليه وهو مقتول، إذ جاء رجل آخر قد فعل ما فعله الأسد ولم يدرك الغزالة، فخرج آخر ففعل ذلك ، قال: فما زلت أعد واحدًا بعد واحد حتى عددت مائة رجل صرعى والغزالة واقفة ، فقلت: إن هذا لعجب ، فقال الأسد: مم تعجب؟ أوما تدري من أنا ومن هذه الغزالة؟ فقلت: لا، فقال: أنا ملك الموت، وهذه الغزالة الدنيا وهؤلاء أهلها يجرون في طلبها، وأنا أقتلهم واحدًا بعد واحد حتى آتي على آخرهم ."
إذن .. نحن لا نقول طلق الدنيا واتركها مطلقًا، بل نقول احذر فتنتها، واعلم أن الدنيا ممر وليست بمقر .. إن أعانت على طاعة الله وبلوغ الجنة فهي محمودة، وإن أعاقت عنها فهي مذمومة .. (فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا ييغرنكم بالله الغرور) .
نسأل الله تعالى أن لا يجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، وأن يوقظنا من رقدات الغفلة، وأن يهدينا مادمنا في زمن المهلة، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين .
... ... الخطبة الثانية