وإنما غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - على عمر خشية انصراف الناس عما جاء به القرآن، وإقبالهم على كتب أهل الكتاب ركونًا إليها وإتباعًا لها؛ ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم: ... «أمتهوكون فيها» أي: هل أنتم في شك مما جئتكم به؟ ، وأكد ذلك بأن موسى - عليه السلام - لو كان حيًا ما وسعه إلا اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، والتسليم بما جاء به، وهذا يدل على أن المفسر لا ينبغي له الانصراف عن تفسير القرآن بالكتاب والسنة إلى أخبار إسرائيلية لا يمكن الوثوق بصحتها، بل فيها ما يتعارض مع ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - [1] .
(1) ويشهد لذلك قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت آية: 51] ، وقد روي في سبب نزولها أن رجالًا من المسلمين أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتب فيها بعض كلام اليهود، فلما نظر فيها ألقاها، وقال: «كفى بها حماقة قوم، أو ضلالة قوم أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم إلى قوم غيرهم» ، فنزلت الآية. رواه الدارمي في سننه (1/ 131) ، وأبو داود في المراسيل (ص 149) ، والطبري في جامع البيان (18/ 429) - وهذا لفظه - عن يحيى بن جعدة مرسلًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (5/ 148) للإسماعيلي في معجمه وابن مردويه عن يحيى بن جعدة عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، وهو كذلك في معجم الإسماعيلي المطبوع (2/ 772) .