الطاهر بن عاشور رحمه الله على المفسر للقرآن الكريم المعرفة الدقيقة والعميقة بالمقاصد التي استهدفها الشارع سبحانه من نزوله. [1]
إن كثيرا من الأحكام الشرعية و الأفهام العلمية في شريعتنا الإسلامية مبني على أعمال مبدأ الفائدة. و التشبع به. فعلى سبيل المثال استدل الفقهاء، خاصة المالكية، منهم، على مشروعية بعض المعاملات كالكفالة والوكالة. بآيات قرآنية على الرغم من أنها وردت في سياق يقص الشارع من خلاله أحوال الأمم الماضية، إلا أن الفقهاء استفادوا منها في التدليل.
وهكذا استدلوا على مشروعية الحمالة والكفالة بقوله تعالى"ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم"- سورة يوسف، جزء من الآية 72 - .
كما استدلوا على مشروعية الوكالة بقوله تعالى"فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة"- سورة الكهف جزء من الآية 19 - . كما أن الأخذ بشرع من قبلنا مستند إلى الإستفادة من تجارب الأمم السابقة ومن شرائعها إذا لم يرد في الشرع الإسلامي ما يؤكدها ولا يخالفها.
جاء في روضة الناظر لإبن قدامة:"إن شرع الله تعالى الحكم في حكم أمة: يدل على تعلق المصلحة به لأنه من حكيم لا تخلو حكمته عن مصلحة، ويدل على اعتبار الشرع له فلا يجوز العدول عنه حتى يدل على نسخه دليل" [2] . والحق أن التطبيقات الفقهية التي تشهد على هذا المبدأ تعز عن الحصر.
منها قوله تعالى"ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما". فالآية وردت في سياق النهي عن أن يقتل الناس بعضهم بعضا، لكن على الرغم من هذا أفادت بالنسبة لعمر بن العاص معنى يتناغم مع هدا السياق. و هو جواز التيمم عند الخوف من الاغتسال بالماء البارد. فلما أصبح الجيش في غزوة أحد في يوم بارد أجاز التيمم خوفا و خشية على الناس من الإغتسال بالماء البارد.
منها قوله تعالى:"والذين جاءوا من بعدهم ...."فالآية نزلت في قريضة والنضير. والمراد بالذين جاءوا من بعدهم المذكورين هم المسلمون الذين جاءوا بعد الفتح. على الرغم من ذلك فقد استفاد منها عمر بن الخطاب رضي الله عنه معنى آخر يتسق مع سياق الآية و لا يتناقض معه. لقد رأى بفقهه الدقيق أها تنظبف أيضا على المسلمين الذين بأتون بعد فتح البلاد المفتوحة. فلما فتحت العراق سأله جيش الفتح قسمة أرض السواد بينهم فلم يقسم بينهم بدليل الآية السابقة. وقال:"إن قسمتها بينكم لم يجد"
(1) يمكن مراجعة المقدمة الرابعة من مقدمات تفسير التحرير والتنوير ج 1 ص 38
(2) روضة الناظر لإبن قدامة ص 73 نقلا عن الشيخ القرضاوي فقه مقاصد الشريعة ص 139