في أنفس المكلفين لقوله تعالى:"قأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها"- سورة الروم، الاية 30 - ، و إما لأنها تحميها من الانحراف عنها، لدا لا يمكنفهم الدين و الشرع الإسلامي إلا على أساس دقيق و واضح من الوعي العميق لمكونات الفطرة الإنسانية.
و في نظري إن الفطرة مبدأ مؤسس للفكر المقاصدي. بيان دلك أنه على قدر تطابق هدا المقصد الشرعي أو داك مع الفطرة بالمعنى السابق تتحدد قيمته المقاصدية داخل بنية هدا الفكر. فالمقاصد الشرعية كلها مؤصلة في الفطرة. و دلك ما سبق لي أن بينته في دراسة سابقة [1] ، لكن يكفيني هنا أن أمثل في هدا المقام بمقصد السماحة. فالسماحة كمقصد شرعي يقوم على التوسط بين التخفيف و التشديد متطابق أشد ما يكون التطابق مع الفطرة. استحضار الفطرة هنا يجعل الوسط مفهوما بالمعنى التقويمي أو الاعتباري و ليس مفهوما بالمعنى الحسابي أو الهندسي. و عليه الوسط في السماحة لا يقتضي دائما التخفيف و التسهيل لأنه قد يحتف بسلوك المكلفين ظروف يكون الحفاظ على فطرتهم أثناءها مستلزما الأخد بالتشديد، و هو ما سبق لفقيه المقاصد في العصر القديم الإمام الشاطبي أن عالجه في المسألة الثانية عشرة م النوع الثالث من مقاصد الشارع.
لئن لم يربط فقيه غرناطة رحمه الله ربطا تاما التوسط بالفطرة فقد بين بيانا بليغا المعنى التقويمي للتوسط في الإسلام قال الشاطبي:"إدا نظرت في كلية شرعية فتأملها تجدها حاملة على التوسط، فإن رأيت ميلا إلى جهة طرف من الأطراف فدلك في مقابلة واقع أو متوقع في الطرف الآخر، فطرف التشديد - و عامة ما يكون في التخويف و الترهيب و الزجر- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين. و طرف التخفيف- و عامة ما يكون في الترجية و الترغيب و الترخيص- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد. فإذا لم يكن هذا و لاذ ذاك، رأيت التوسط لائحا و مسلك الاعتدال واضحا" [2] .
أعني بالتقتنيات الأدوات التي تعتمد في أي بحث علمي كالاستقراء و اعتبار العلاقات السببية و المقارنة و التبصر بعلاقات التأثر و التأثير و التراكم و عدم التناقض و غيرها من الأدوات التي تمكن الباحث من الإحاطة بتفاصيل موضوعه، و تقدره على استيعاب جزئياته. دور هدا النوع من التقنيات في الفكر المقاصدي هو اعتمادها في التوصل إلى مقاصد الشريعة و البرهنة على إثباتها. تتمحور تقنيات الفكر
(1) يراجع كتابي نظرية المقاصد عند الإمام بن عاشور ص:263.
(2) الموافقات ج 2 ص 167 - 168.