الصفحة 22 من 73

العلماء المعاصرين، يفهمونه على أنه ليس برهانا، و ليست نتائجه يقينية، بل ليست نتائجه احتمالية بالمعنى المحدد في نظرية الاحتمالات الرياضية، و إنما بمعنى الدرجة العالية من التصديق. إن كثرة المعلومات الصحيحة- كما يشرح رايشنباخ-"التي نتوفر عليها هي التي تدفعنا إلى الاعتقاد في صحة الحكم الاستقرائي، و لكن دلك لا يعني اليقين، بل الرجحان فقط" [1] .

في ضوء هدا المعنى العلمي أفهم الاستقراء في الفكر المقاصدي لأنه يشكل منبعه و قوامه. اعتمده علماء الأصول، خاصة أهل المقاصد منهم في بناء أنساقهم المختلفة. و قد بلغ من أهمية هذه الأداة أن اعتبرها الإمام الشاطبي رحمه الله عماد كتابيه الموافقات و الاعتصام. لقد هدا الفقيه المقاصدي الرائد من النظر الاستقرائي قوام منهجه فقال:"معتمدا على الاستقراءات ... و مبينا أصولها النقلية بأطراف من القضايا العقلية .... في بيان مقاصد الكتاب السنة" [2] .

الاستقراء هو منبع ثراء و خصوبة الفكر المقاصدي في الإسلام لأنه يرسخ الاستقراء داخل بنية هدا الفكر لعقلية علمية في ميدان الشريعة و مقاصدها. عقلية لا تكتفي عند تقرير قاعدة من قواعد العمل و الفكر، و لا تكتفي عند إصدار الأحكام التي تتناول واقع الناس على دليل جزئي معين، و إنما يتشوف صاحبها- و باستمرار- إلى استقراء اكثر من دليل أو أو من دلائل. بدلك يعانق آفاق رحبة من النظرة الشمولية للشرع. و بلك يتمكن في الوقت نفسه من الوعي الدقيق بالعلاقات المختلفة التي تربط بين الأدلة الشرعية على اختلافها

الفكر المقاصدي يرسخ لفكر علمي ليس فحسب في مستوي المبادئ و في مستوى التقنيات، و إنما يرسخه أيضا في مستوى استخراج المفاهيم التي تحكم بنيته و توجه منهجيته. أعني بالمفاهيم في هدا الموضع القوالب الفكرية التي ينصهر في بوثقتها النظر المقاصدي. أقصد بذلك المعاني الكلية التي يتبلور في إطارها تقصيد العالم للشريعة.

الوصول إلى مرحلة صياغة المفاهيم مؤشر واضح و دليل قوي على نضج المعرفة العلمية بمقاصد الشريعة. الباحث في المفاهيم استطاع أن يصعد من مداخل المقاصد

(1) نقلا عن الجابري محمد عابد، مخل إلى فلسفة العلوم العقلانية الماصرة و تطور الفكر العلمي، نشر مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الخامسة، 2002 م، ص: 306 - 307

(2) الموافقات في أصول الشريعة 1\ 23. ينظر في اعتماد علماء المقاصد اداة الاستقراء كتابي نظرية المقاصد عن الإمام بن عاشور ص: 357 و ما بعده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت