إن قليلا من التدبر في هذه الآيات، وأ مثالها كثير في القرآن الكريم، يفضي بالمتدبر إلى القول بأن مبدأ الفائدة مستمد من المنحى المقاصدي الذي ينطوي عليه كتاب الله عز وجل. وهو منحى يخلع على كل موجود، صغيرا كان أم كبيرا غاية، فيحدد له دورا ووظيفة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. التشبع بهذا المنحى المقاصدي ينقل المسلم و بالأحرى الفقيه و العالم المسلم من فكر المصادفات إلى فكر علمي يقوم على إدراك واكتشاف العلاقات. والذي يفسر العلاقات بين المعاني والأحكام الشرعية هو ما تنطوي عليه تلك المعاني وهذه الأحكام من مقاصد راجعة إلى تحقيق المصلحة الانسانية. ومن هنا يرتبط مبدأ الفائدة ارتباطا وثيق بالحقيقة المقاصدية للخطاب الشرعي. فليس هذا خطابا بشريا يعبر عن حاجات للمخطب عند المخاطب، يريدها منه بل هو خطاب إلهي جاء ليحقق المصلحة الانسانية لأن الله غني عن العالمين، قال تعالى"أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد"سورة فاطر الاية 15/وهكذا وجدنا الشارع يتبع كثيرا من الأحكام بيان ما يترتب عليها من مصالح راجعة إلى المكلف بها.
التشبع بمبدأ الفائدة ينشئ حالة عقلية ويقظة ذهنية تصور بهذه الدرجة أو تلك نوع التهيؤ الذي يجعل الفقيه المستنبط للأحكام مستعدا باستمرار إلى اكتشاف ما غفل عنه أو عقل عنه السابقون من مقاصد تدل عليها الخطابات الشرعية. ويمكن إبراز ذلك -على الأقل-في صورتين:
أ صورة تأسيس المعاني الجديدة. وقد عبر فقهاء الإسلام عن هذه الصورة في أن الأصل حمل كلام الشارع على التأسيس لا على التقرير. وفحواها أن الخطاب الشرعي يفيد فائدة جديدة تباين فوائده السابقة. وقديما أرجع الامام الشاطبي المجال الفقهي التطبيقي لهذه القاعدة إلى الألفاظ المقيدة التي تدل على معان خادمة للمعاني المطلقة. فمن اعتبر هذه المعاني الخادمة استند إلى هذه القاعدة. أما في العصر الحديث فنبهنا الامام ابن عاشور إلى أن الله تعالى أودع في القرآن الكريم من المعاني والمقاصد أكثر ما تحتمله الألفاظ في أقل ما يمكن من المقدار بحسب ما تسمح به اللغة الوارد هو بها [1] "."
ب صورة عدم الإهمال الخطابي، و قد تجسدت في قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله. فإذا احتمل أن يكون للخطاب معنى مقصود، وأن يكون له معنى لاغ كان حمله تبعا لمبدأ الفائدة على ما هو مقصود أولى. يتقيد في ضوء هذه القاعدة فهم الدلالة المقصودة من الخطاب الشرعي بمراعاة مقاصد جلب المصالح ودرء المفاسد، وتدرك انطلاقا منها المعرفة المسبقة بالمقاصد الشرعية. و لهدا أوجب الإمام محمد
(1) تفسير التحرير والتنوير. ج 1. ص 93