الصفحة 67 من 73

يؤسس الاعتبار المقاصدي سلم تقويم الأفعال الإنسانية، فعلى قدر نهلها من مصدره الروحي تنأى عن التقييد، وعلى قدر ابتعادها تقترب من التقييد.

ففي حال ابتعادها عن المصدر الروحي تكون أفعالا غريزية في التصرفات المجتمعية التي لاتنأى عن التنازع والتغالب والتهارج، لذا تعين تقييدها عن طريق التشريع المحافظ على المصلح العامة.

لا يمكن للحرية الغريزية أن تكون مطلقة في الحياة المجتمعية بما تتطلبه من التزامات وعقود وعهود ونحوها، فعلى سبيل المثال لم يبح للمحتاج أن يسرق ولا للشخص أن يتناسل بغير الزواج الشرعي ...

أما في حال ارتباطها بالمصدر الروحي تكون أفعالافطرية، ولكنها، كما يقول علال الفاسي:"فطرية باعتبار الواقع، ولا أقول الطبيعة الفطرية، لان الفطرة هي الانسانية المسلمة أو الإسلام الإنساني ً [1] ."

فالتطور المجتمعي يجب، لكي يكون خلاقا ومبدعا، أن يمتاح من الإعتبار المقاصدي الذي يتجه بالفعل الإنساني وجهة الحرية المطلقة التي ينشدها الإنسان في المستقبل. وتلك مهمة من المهام التي تضطلع بها النخبة في المجتمع [2] فكان إبداعها العقلي في هذا الباب غير قابل للتقييد، أو قل كانت حريتها الفكرية في ذلك الاضطلاع حقا عقليا مرسلا لا حقا غريزيا مقيدا.

ويبدو أن نقطة إنطلاق البعد المجتمعي في الاعتبار المقاصدي لهذه الحرية الفكرية، متجسدة في صعوبة النظر إليها في إستقلال عن الممارسة في القول والتصرف، خاصة في الوقت الحاضر التي تبدأ فيه هذه الحرية ً من الأفراد وباتجاه الافراد وتنتهي بكافة مجالات الخدمات العامة والمصالح التي تديرها الدولة ( ... ) وهي ليست قاصرة على فئة معينة بطبيعة الحال ( ... )

لذلك فإن أهمية هذه الحرية تتضاعف لاتصالها الوثيق بكل ما يمس الافراد والسلطات على تعددها في الدولة ً [3]

ثانيا: الالتزام النخبوي في الحرية: تتحمل النخبة المفكرة مسؤولية التمكين لمبدأ التفكير الحر في المجتمع. ونميز مع علال الفاسي. بين مظهرين متلازمين في تلك المسؤولية: أحدهما عملي والأخر علمي.

(1) الحرية لعلال، ص: 5.

(2) (*) ينظر الى المطلب الأول من المبحث الثاني، ص: 36 - 48.

(3) عدي زيد الكيلاني، مفاهيم الحق والحرية في الاسلام والفقه الوضعي، عمان الأردن، ط: 1 - 1990 م، ص: 186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت