قد لايبالغ المرء اذا جنح مع الباحث المغربي عبد الله العروي الى القول: إن تفكي علال الفاسي"يدور ( ... ) داخل المعادلة التالية: الاسلام هو الفطرة، والفطرة هي الحرية فالاسلام هو الحرية" [1] .
لذا ندرك تأصيل مفهوم الفطرة لمقصد الحرية في تفكيره، ليس فحسب في كتابه النقد الذاتي، بل في كل إنتاجه النظري [2] .وجملة مواقفه العملية. فالفطرة تمكن الانسان، بمقتضى العقد الأزلي بينه ويسن خالقه، [3] من ادراك الحرية، إذ كان للانسان تحصيل هذه الحرية الادراكية"لولا الرشد الديني الذي جاء به الاسلام" [4]
يقترح الطرح المقاصدي [5] للحرية أمرين: موقف فلسفي من بعدها الاشكالي والتزام نخبوي لمستلزماتها المجتمعية.
أولا: الموقف الفلسفي من الحرية
الموقف الفلسفي من الحرية [6] موقف صعب وحرج ودقيق [7] ، لأنه يتطلب وباستمررار، الوعي باشكالاتها المتنوعة، شعارا وتجربة ومفهوما [8] . فليس المقصود في هذا الموقف التغني بفعالية الحرية، كحلية انسانية وزينة مدنية [9] ، بل المقصود نوع الاعتبار النظري الذي يؤسسه، الاعتبار الذي يكيف أبعاد النظرة المجتمعية للحرية.
-1: الاعتبار المقاصدي للموقف من الحرية: المفهوم من الحرية في كتاب النقد الذاتي أن يعد الانسان نفسه"لمبدأ صحيح وعقيدة ثابتة ويعمل لها، ويرعاها في سلوكه وأعماله وتفكيره بما تشتمل عليه من تفاصيل وما يحيط بها من جوانب [10] "
يتبين من هذا المفهوم للحرية ذلك الاعتبار الذي يرجعها الى مصدر روحي غير قابل للتقييد، لأنها قيمة أساسية في نظام التفكير الاسلامي والوطني المغربي، فالتحرير هو عصب وجوذ الاسلام والشخصية المغربية تواقة الى الاستقلال في كل شئ حتى عن اصحاب عقيدة اسلامية اقتنعوا بها [11] .
كما يتبين من هذا المفهوم أن الاعتبار الذي يؤسسه يتضي مسؤولية مجتمعية في الاشتغال الفكري والسلوك العملي هي مسؤولية عمارة الأرض وإصلاحها بوسائل الانسان الارادية والفكرية والعملية. [12]
الأصل الروحي للحرية، مسؤولية الانسان في التنزيل المجتمعي لذلك الأصل، أمران يكشفان طبيعة الاعتبار النظري الذي يؤسس الموقف الفلسفي للحرية عند علال الفاسي، أنه اعتبار مقاصدي يتجه بامكانية الحرية وجهة مستقبلية، لأن الانسان يطمح في سعيه الحياتي إلى التخلق بخلق الحرية المطلقة [13]
ويبدو لمؤرخ فكرة الحرية مماثلة هذا الاعتبار المقاصدي لخلاصة من الخلاصات التي انتهى الى بنائها الدرس النقدي لنظرية الحرية في الفكر الاوربي الحديث، فلا تتحقق الحرية بحسب أبرز رواده في الآن، بل ترجأ إلى المآل قرر ذلك هيجل عندما تتوافق أهداف كل من الفرد وعقلانية الدولة ومصير التاريخ كما قرر ذلك ماركس عندما يختفي المجتمع المبني على الملكية وعندما يستوعب الانسان العلوم الموضوعية [14] .
-2: البعد المجتعي في الاعتبار المقاصدي للحرية:
(1) عبد الله العروي، مفهوم الحرية، البيضاء، المغرب، المركز الثقافي العربي، ط: 3، 1984 م، ص: 81.
(2) ينظر الى البحث الذي قدم في ندوة"علال الفاسي العالم المجدد": اسماعيل الحسني، أصول التفكير المقاصدي عند علال الفاسي، ملحق"العلم"للفكر الاسلامي، الرباط المغرب، العدد: 107، السنة 3، ص: 5.
(3) يقول علال الفاسي في سياق حديته عن السند الاسلامي للحرية:"الحرية الاسلامية هي الحرية ( ... ) بشرع الله وفعله، حيث قال سبحانه وتعالى في عالم الأزل ... للبشرية كلها:"ألست بربكم قالوا بلى ( ... ) فهي شرعية بهذا الاعتبار ولكنها فطؤية باعتبار الواقع ... لأن الفطرة هي الانسانية المسلمة أو الاسلام الانساني"، الحرية، نشر اللجنة الثقافية لحزب الاستقلال، بدون تاريخ ص: 5."
(4) مقاصد الشريعة، ص: 200.
(5) (*) إذ الحرية امكانية تتجه دائما الى المستقبل لأنها في تفكير صاحب النقد الذاتي"الحركة التي يفكر بها الانسان، والحركة التي يشتغل بها الانسان"الحرية، ص: 4.
(6) ترجع الاستعمالات اللغوية لمادة"حرية"في القواميس العربية الى معنى التخلص من كل الامور التي تجعل الناس رقيقا وعبيدا لها، لسان العرب: حر. ومن تلك الأموررر الأخلاق الذميمة، كالذل والكسل والخساسة، فنشأ عن ذلك اعتبار العرب صفات الكمال من صفات الأحرار. محمد الطاهر بن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الاسلام، تزنس، الدار التونسية للنشر، 1977 م، ص: 161. وايضا مفهوم الحرية، ص: 14، 13.
(7) الأصول النظام الاجتماعي، ص: 177.
(8) مفهوم الحرية، ص: 5 - 8.
(9) عبد الرحمان الكواكبي، طبائع الاستبداد، القاهرة، مصر، الهيئة تاعصرية للطباعة والنشر، 1970 م، ص: 57.
(10) النقد الذاتي، ص: 55. يلاحظ علال الفاسي أنه من"الخير الا نحدد الحرية من الناحية المنطقية، لأن الحد المنطقي يحمي الحرية في السور المنطقي، وهذا التسرير يجعلها تقف دون معطياتها الحقيقة ودون حدودها الطبيعية"الحرية ص: 7.
(11) النقد الذاتي، ص: 139
(12) المرجع نفسه، ص: 54 و 122 - 129
(13) الحرية، ص: 4
(14) الحرية، ص: 63 - 69.