الصفحة 54 من 73

ثالثا: الارتجال في العمل المجتمعي: وحاصل هذه الآفة عدم استبصار المفكر في إنتاجه النظري وولاة السلطة في تسييرهم التنظيمي للعمل المنظم الذي يخظع لتفكير سابق وتدبير محكم وتنسيق مقدر وقضاء موقوت [1] .

قدم علال الفاسي في كتابه"النقد الذاتي"جملة من الأمثلة التطبيقية لهذه الأفة المنهجية، وذلك انطلاقا من قضية فلسطين إلى سائر قضايا الثقافة والفن والإجتماع التي تحكمت في انشغالات النخبة المجتمعية العربية، ومنها المغربية. [2]

مجمل القول في شأن المنشأ الإشكالي للبناء الفكري المغربي أننا لا نكاد نظفر فيه، لابفكر نقدي مؤسس، ولا بفكر مستقبلي متبصر، ولا بفكر شمولي منتج. النقد والمستقبل والشمول عناصر منهجية ضرورية في إبداع تفكير من شأنه"خدمة المجتمع والإعلاء من شأنه وتعريفه بنفسه وإشباعه بروح الدفاع عن حقوقه والاداء لواجباته" [3] .

وعليه فالخطوة الأولى في الخدمة المجتمعية هي الوعي بمنشإها الإشكالي، سواء من حيث التنظيم المجتمعي أو من حيث البناء الفكري. نعم نبه معظم أهل النظر [4] من الوطنيين المغاربة إلى مشاكلهما المتعددة، لكن الذي يميز تنبيه صاحب"النقد الذاتي"هووضوح الرؤية.

وفي نظري يؤول عنصر وضوح الرؤية إلى أسلوب الرجل في مقاربة المنشأ الإشكالي للمجتمع المغربي، ممثلا في الأسباب التاريخية المتنوعة، وفي العوامل المجتمعية المتعددة [5] . وأقل ما يقوله المرء في الأسلوب المنتشر في كتاب"النقد"

(1) المرجع نفسه، ص: 40.

(2) المرجع نفسه، ص: 37 - 39 و 333 و 380 و 381.

(3) المرجع نفسه، ص: 100. يلح علال على خطورة تغييب البعد الاجتماعي في الإسلام، إذ يرى صاحبنا"أن مفكري الإسلام أنفسهم لم يضيعوا في الإسلام مثل ما ضيعوه من ناحيته الاجتماعية"ص: 188.

(4) من ذلك مشكل الذهنية الذي حمل محرري"مطالب الشعب المغربي"على مطالبة سلطة الحماية بالعمل على"ترقية الشعب المغربي من الوجهة العلمية ورفع مستواه العقلي «علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب، البيضاء، المغرب، ط: 5، 1993 م، مطبعة النجاح الجديدة، ص: 190. لذا ألح الكتاب الوطنيون على حتمية تحقيق التفكير المغربي ل"انقلاب جوهري في المقاييس العقلية وطرق فهم الحياة"، أبو بكر القادري، سعيد حجي: دراسة عن حياته ونشاطه الثقافي والسياسي، البيضاء، المغرب، 1979 م، 2/ 73. بل إن التحرر من الإرث المجتمعي للتخلف الذهني كان من أهداف مجلة"المغرب الجديد"العدد الأول، السنة الأولى، يونيو، 1935 م."

(5) لا بخفى على الباحث في علم الاجتماع ما للطريقة السببية على بساطتها الاجرائية، من دور في تفسير بعض المشكلات المجتمعية، ريمون بودون، مناهج علم الاجتماع، ترجمة هالة شبون الحاج، منشورات عويدات، بيروت، لبنان، ط: 2، 1980 م، ص: 154.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت