الذاتي"توسل صاحبه فيه بالطرح الإشكالي، الطرح الذي يتعامل مع واقع المجتمع المغربي في الأربعينات من هذا القرن، كما هو وليس كما كان يحلم به البعض. فالأحلام أيا كان مجالها العلمي وأيا كان مستواها العملي، يجب، لكي تكون مهمة ونافعة، أن تعكس أفكارها"الواقع المعاش ( ... ) لكي نستفيد منها علينا أن نحلل الواقع أو على الأقل أن نتجه نحوه" [1] ..."
ويبدو أن الطرح الإشكالي السالف شكل مدخلا ممتازا لتحقيق خلاصة من الخلاصات الأساسية التي وجهها علال الفاسي إلى القائمين على الحركات الاستقلالية في المغرب العربي:"من الواجب علينا ( ... ) أن ننبهها إلى بعض مواطن النقص التي يجب أن تعمل على إتمامها، وأول هذه المواطن هو ما يرجع لتكوين النظرية، وأعني بها ما يتعلق بخلق برنامج مفصل للنظام السياسي والاقتصادي الذي يجب أن يكون عليه المغرب في وقت استقلاله" [2] .
اعتماد النظرية أسلوب ضروري في حل مشاكل المجتمع المغربي، إذ علال الفاسي من أولئك الذين يمتزج عندهم"الفكر السياسي بالعمل السياسي وبالوجود الاجتماعي [3] ". لذا ندرك إلحاحه على تكوين النظرية، لا كضرورة ابستمولوجية فحسب، بل كضرورة تقتضيها الحياة المجتمعية. فلا يخفى أن"مسألة بناء نظرية حول ما هو مجتمعي ليست موضع بحث علمي فحسب، بل أيضا موضع بحث إيديولوجي" [4] .
ليس من مهمة هذا البحث سبر الحلول التنظيمية التي قدمها البرنامج المجتمعي لتلك النظرية، البرنامج المقارن للأوضاع المجتمعية المغربية في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات من القرن الحالي. بل من مهمته الظفر بحاصل بنائه الفكري، لأنه الإطار الضابط للوحدة الموضوعية في مباحث كتاب"النقد الذاتي"من جهة، والمنسق لمسائلها المنهجية من جهة أخرى.
إن من شأن الإمساك بذلك البناء أن يهيئ الباحث لتفهم القيمة العلمية للحلول التنظيمية التي قدمها صاحب"النقد الذاتي"لمشاكل المجتمع المغربي. وذلك هو موضوع المبحث الثاني.
(1) عبد الله العروي، مفهوم الدولة، البيضاء، المغرب، المركز الثقافي العربي، ط: 4، ص: 89.
(2) الحركات الإصلاحية، ص: 521.
(3) سعيد بن سعيد العلوي،"النقد الذاتي"ولحظته التاريخية، العلم الثقافي، الرباط، المغرب، 10 يونيو 1995 م، السنة 26، ص: 6.
(4) محمد وقيدي، العلوم الانسانبة والاديولوجيا، بيروت، لبنان، ط: 1، 1983 م، ص: 139.