تلك هي الخلاصة العلمية التي انتهى إليها التفكير المجتمعي لعلال الفاسي. لكن لا توجد نظرية نقدية واحدة في الدراسة المجتمعية، بل نظريات متعددة بحسب تنوع المنطلقات والأبنية المنهجية التي تؤصل اشتغالاتها النظرية.
-2: معنى الأصل في النظرية النقدية: أعني بالأصل هنا الأساس العلمي الذي كيف الوجوه الاستدلالية في الانشغالات الفكرية للنظرية النقدية، كما انتهى إلى بنائها علال الفاسي في كتابه"النقد الذاتي".
وبعد تجوال النظر، وتقليب الفكر في هذا الكتاب خلصت إلى أنه أصل مزدوج، فيه من التأصيل الإشكالي، بقدر ما فيه من التأصيل التقصيدي.
-2 - 1: الأصل الإشكالي: يستمد هذا الأصل وجوده من الواقع المجتمعي لمغرب الحماية الفرنسية والإسبانية. ومعناه المنشأ المجتمعي الذي يفسر مشاكل المجتمع المغربي سواء تعلقت بالبناء النتظيمي، أو اتصلت بالبناء الفكري.
يتمثل الدرس الأساسي للأصل الإشكالي للنظرية النقدية عند علال الفاسي في عدم توقف التغير على العواطف والأماني بل يتعين بناؤه على العمل العلمي، تحليلا لثوابت الواقع ومتغيراته، واستخلاصا تركيبيا لقوانبنه ونظرياته [1] .تقدم مقاييس النظرية النقدية مساهمة ممتازة في ذلك. [2]
-2 - 2: الأصل التقصيدي: [3] يشكل هذا الأصل الأساس الفلسفي في تفكير علال الفاسي، تفكيره التشريعي في مقاصد الشريعة ومكارمها، لأنها"أحكام تنطوي على مقاصد، ومقاصد تنطوي على أحكام وهي ( ... ) نظر بالفعل في إطار أصول عامة يهتدي به المكلف بذلك النظر إلى اكتناه أسرار الشريعة ومقاصدها عن طريق اللفظ والمدلول الخاص والعام وما يدل عليه مجموع تلك الدلالات من مقاصد وأفهام" [4] . وأيضا تفكيره المجتمعي في مقاصد الفكر والحرية، لأن الحقيقة
(1) إن تغيير الواقع كما يقول الباحث محمد عابد الجابري:"لا يصبح ممكنا ( ... ) إلا بعد جعله موضوعا للعقل لا للعاطفة، الخطاب العربي المعاصر، البيضاء، المغرب، المركز الثقافي العربي، ط: 1، 1982، ص: 134."
(2) ينظر إلى المطلب الأول من المبحث الثاني.
(3) تنتظم الاستعمالات اللغوية لأصل ق. ص. د. في معنى التوجه المبني على إرادة الاعتزام، لسان العرب 3/ 353 - 356.
استعرت هذا المصطلح من الإمامين الشاطبي ومحمد الطاهر بن عاشور، الموافقات في أصول الشريعة، ضبط وتعليق عبد الله دراز، بيروت، لبنان، دار المعرفة، بدون تاريخ، 3/ 424، والنظر الفسيح عند مضائق الأنظار في الجامع الصحيح، تونس، الدار التونسية للنشر 1979 م، ص: 366
(4) علال الفاسي، مقاصد الشريعة الاسلامية ومكارمها، البيضاء، مكتبة الوحدة العربية، بدون تاريخ، ص: 43.