الصفحة 16 من 73

من أشياء كثيره وضعها البشر ليستعبد بعضهم بعضا فكريا او ماديا او عاطفيا. فرق كبير بين تعبد الله للبشر و تعبد البشر بعضهم لبعض. فرق كبير -كما يبين القرآن الكريم بين من يربى على معاني الحرية و بين يربى على معاني الاستبداد و نقائض الحرية. قال تعالى:"وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء و هو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو و من يأمر بالعدل و هو على صراط مستقيم"- سورة النحل جزء من الآية 76 - .

التعليل تنظيم

إن المطلوب في التعليل هو اتساق نتائجه مع الشريعة و مقاصدها ليجري الجميع على نظام واحد، لا اختلاف فيه ولا تناقض. لدا لا يعمل بالعلل المؤدية إلى إلغاء القطعيات. لا غرو بعد هذا إذا تفهمنا اختلاف الأصوليين الكبير في شروط العلة لأن الغرض عندهم هو ضبط الاقيسة، حتى لا تتناقض مع الفروع المنصوصة. إن كمال الاتساق الذي جاءت به الشريعة لا يعني ولا يستلزم أن يتمثله ويدركه ويحيط به كل أحد، كما يقرر ابن تيمية ويوضحه ابن القيم [1] ، إذ لا يبعد أن يختص حكم من الأحكام بعلة لم يقدر العقل الإنساني بعد على كشفها وإدراك وجوه اتساقها مع سائر الأحكام الشرعية. بل و حتى في هذه الحالة لا يخفى المعنى المصلحي المعقول للتعبد، وهو- كما قال الإمام الشاطبي:"ضبط وجوه المصالح، إذ لو ترك الناس والنظر لانتشر وتعذر الرجوع إلى اصل شرعي، والضبط أقرب إلى الانقياد ما وجد إليه سبيل" [2] .

إن التعبد في الشريعة منضبط بمقادير وهيآة، وشروط محددة، و كيفيات مرسومة، والتي تظهر في مقادير معلومة كالثمانين في القذف، و المائة و تغريب العام في الزنا على غير إحصان، و خص اليد بالكوع، و في النصاب المعين، و جعل مغيب الحشفة حدا في أحكام كثيرة، و كذلك الأشهر و القروء في العدد و النصاب و الحول في الزكوات. الضبط بهذه المقتضيات يساوق المقصد التنظيمي لأن الشريعة

(1) يقول ابن القيم:"غالب أحكام الشريعة معللة برعاية المصلحة المعلومة ( ... ) وورود الصورة النادرة على خلاف الغالب، لا يقدح في حصول الظن، كما ان الغيم الرطب إذا لم يمطر نادرا، فلا يقدح في نزول المطر"إعلام الموقعين 2\ 54

(2) وذلك ما أدركه الشاطبي إدراكا كاملا. ف السائل:"إذا قال للحاكم: لم لا تحكم بين الناس وأنت غضبان؟ فأجاب: بأني نهيت عن ذلك، كان مصيبا، كما أنه إذا قال: لأن الغضب يشوش عقلي، وهو مظنة عدم التثبت، كان مصيبا. الجواب الأول: جواب التعبد المحض، والثاني جواب الالتفات إلى المعنى، وإذا جاز اجتماعها وعدم تنافيهما جاز القصد إلى التعبد"الموافقات 2 - 314. ويراجع نوط الشارع الأحكام بالضبط والتحديد - مقاصد الشريعة لابن عاشور، ص: 126 - 130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت