الصفحة 17 من 73

قننت السلوك بأحكام تنطوي على مقادير ومواقيت وكيفيات معينة، شأنها في ذلك شأن كل الشرائع والقوانين.

و أعتقد أننا في أمس الحاجة إلى التشبع المنهجي بهذا المعقولية التنظيمية، لأنها نوع من أنواع الهدي الذي أمرنا بإتقانه. فتشبعنا بها في اجتهادنا الإسلامي، مقصد شرعي لأن شريعة الإسلام نظمت العبادات الإسلامية بما يضمن دوامها في واقع الناس، وبما يحقق مصالحهم في أحوالهم المختلفة. و هكذا جعلت للعبادات نظاما فرتبت أركانها و واجباتها، و قسمت واجباتها إلى واجبات مضيقة و موسعة، و وقتت لها أوقاتا محدودة في أداء الصلوات و الصيام و الحج و الزكاة. ولا يتناقض الضبط و التنظيم أيضا مع المعقولية لأن أول مبدأ من مبادئ العقل هو النظام، أعني تنظيم التعبد والانقياد لصاحب الشرع، وتلك هي أم المصالح التي تبرز جواز التعبد والمعقولية في التقصيد و التعليل [1] . الجمع بينهما هو الذي يفسر المغزى التنظيمي من الأحكام الشرعية و المتمثل في"حفظ نظام العالم و استدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه و هو نوع الإنسان" [2] . البعد التنظيمي بعد أساسي في مقاصد الشريعة لأن التجربة الحضارية للبشرية مهما يكن مبلغها العلمي، و مهما يكن ارتقائها المجتمعي تظل دائما في حاجة إلى الهدي الإلهي ليسدد خطوات العقل البشري. يبدو دلك قديما عندما استباح بعض المجتمعات وأد البنات و حرمان النساء من الميراث، و أولعوا بشرب الخمر، و يبدو أكثر في عصرنا الحاضر عندما تستبيح بعض المجتمعات الزنا و الشدود الجنسي و العري الكامل و المسكرات و المخدرات.

صفة القول إن التعليل في الفكر المقاصدي كشف للمعقولية التي تنطوي عليها الأحكام الشرعية. و لهدا الكشف أبعاد مصلحية و علمية ثلاثة -بعد النسبية التي يرسخها التعليل في الفكر المقاصدي لأن عدم إدراك المقصد من تشريع الحكم ليس دليلا على عدم معقوليته. و عدم إدراكه في وقت معين و زمان محدد ليس دليلا على عدم إدراك وجه معقوليته في كل زمان و مكان. فقد يفتح على هذا بشيء و لم يفتح به على الآخر.- وبعد التحرر الدي ينشده هدا الفكر لأن الانقياد لله في التعبد لا يعني الخنوع للمخلوق بل يعني التحرر من عبادة غير الله تعالى. و هو بعد مناسب لمقتضيات الخلافة التي كرم الله فيها الإنسان. ومن مظاهر ذلك تربيته على معاني الحرية التي تكرس الوعي بالمفارقة بين مراتب البشر و ترسخ الوعي بالمغايرة في أنماط وجودهم.- وبعد التنظيم، أعني تنظيم مقادير و أشكال التعبد المختلفة كمقصد من

(1) تعليل الأحكام، ص: 299، ومقاصد الشريعة لابن عاشور، ص: 48.

(2) مقاصد الشريعة لابن عاشور ص:63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت