يتعقلها، و تارة أخرى قد لا يعرفها فيسعى إليها، مقدرا وجودها، و مثابرا على كشفها و تبينها. لا يمكن في نظري أن يوجد حكم شرعي واحد غير معقول. أعني أنه غير منطو على فائدة او فوائد متعددة. و انطلاقا من هذا الاعتبار نفهم مراتب العلماء و تفاضل مواقعهم في فهم المقاصد لأنهم متفاوتون في قرائحهم و في مبلغ علمهم.
إنني أجزم يقينا بأن كل نصوص الشريعة معللة بعلة أو علل مختلفة. و لا يخلو الأمر إما أن تكون معلومة أو أن تكون غير معلومة. و إدا سلمنا بمبدإ الفائدة السابق الذكر، فإن عدم العلم بالعلة لا ينهض دليلا على عدم انطواء النص الشرعي على العلة المعينة. كل ما يدل عليه عدم العلم في هدا السياق هو الاعتراف بقصر السقف المعرفي الإنساني بالنسبة لوقت معين أو عالم معين. و خفاء علل قسم من أحكام الشريعة، سواء في العبادات أو في المعاملات، لا يعني عدم انطوائه على معنى معقول لأن تعذر الوقوع عليه في هذا الحكم أو ذاك، لا يكون عند الجميع، ولا يجعل في كل الاعصار والأحوال. فقد ينقدح للبعض دون البعض الآخر، إذ التمايز [1] ثابت بين علماء المقاصد الشرعية، سواء في تفاوت مراتب اجتهادهم، أو في تغاير أعصارهم وظروف مجتمعاتهم. بل لا ينهض البحث في المقاصد إلا إذا سلمنا بأن جميع أحكام الشريعة منطوية على معاني مصلحية معقولة عقلها المجتهدون كلهم أو عقلها بعضهم أو عقلها أغلبهم. و في حال الانتهاء من استفراغ الوسع لا ضير على العالم بالمقاصد توقفه وتسليمه بالتعبدية، كمظهر من مظاهر الانقياد والخضوع لأحكام الشارع.
لا يمكن أن يعد الانقياد لأحكام الشرع مظهرا من مظاهر انعدام المعقولية في الشرع كما يريد بعض فقهاء الإسلام أن يفهمونا إياه،.وفي طليعتهم الإمام الشاطبي رحمه الله. من دلك قوله:"عامة النظر فيها إنما فيما عقل معناه منها، و جرى على دون المناسات المعقولة التي إدا عرضت على العقول تلقتها بالقبول فلا مدخل لها في التعبدات، و لا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية، لن عامة التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل ... و على الجملة ... أصل العبادات عدم معقولية المعنى" [2] .
الحاجة ماسة لمراجعة هدا الفهم استنادا إلى عنصر الفائدة الدي ننفي من خلاله العبثية و الإهمال و اللغو عن شريعة علام الغيوب و أحكم الحاكمين. فرق كبير بين الاعتراف بقصر علم العالم و محدودية إدراك المفكر لعلل جميع النصوص و بين الإقرار بعدم العلة. فعلى سبيل المثال نحتاج إلى الوعي الدقيق بهدا الفرق في فقهنا لشعائر الحج فننهض إلى البحث الجاد عن العلل المصلحية التي تنطوي عليها شعائر
(1) يقول ابن القيم:"وبالجملة، فللشارع في أحكام العبادات أسرار لا تهتدي العقول على إدراكها على وجه التفصيل، وإن أدركتها جملة"أعلام الموقعين 2/ 107، أقر ابن القيم بهذا على الرغم من تعليلاته الكثيرة للعديد من الأحكام التعبدية - المصدر نفسه 2/ 19 و 134 و 140 - 143.
(2) الاعتصام للشاطبي ج 2 ص 129؟