المقاصد على تعليل كثير من الأحكام التي خفي على معظم العلماء مغزاها أو اختلف في عللها، يستوي في ذلك من قال بتعبديتها. أو من قال منهم إن الأصل فيها هو التعليل أي"المعقولية لا التعبد، لأنها أقرب إلى القبول وأبعد عن الحرج".
نقل ابن بابويه عن الفضل بن شادا أن"العبد إدا قام بين بيدي الجبار قائما ينكشف من جوارحه و يظهر ما وجب فيه الوضوء، و دلك انه بوجهه يستقبل و يسجد و يخضع، و بيده يسأل و يرغب و يرهب و يتبتل، و برأسه يستقبل في ركوعه و سجوده، و برجليه يقوم و يقعد" [1] .
وقال الغزالي:"الركوع والسجود فالمقصود بهما التعظيم قطعا" [2] ومن قواعد التعليل عند المقري قوله:"ما يعاف في العبادات يكره في العبادات: كالأواني المعدة بصورها للنجاسات، والصلاة في المراحيض، والوضوء بالمستعمل، فإنه كالغسالة."القاعدة 100 من قواعده.
إن قصد الصلاة هو الخضوع لله سبحانه بإخلاص التوجه إليه، والانتصاب على قدم الذلة بين يديه، وتذكير النفس بالشكر له ... والعبادات وضعت لمصالح العباد في الدنيا وفي وفي الآخرة على الجملة، وإن لم يعلم ذلك على التفصيل، ويصح القصد إلى مسبقاتها الدنيوية والأخروية على الجملة. أما مقاصدها التابعة فمتعددة: منها النهي عن الفحشاء والمنكر، ومنها الاستراحة من أنكاد الدنيا، وطلب الرزق بها، وإنجاح الحاجات، وطلب الفوز بالجنة."وكذلك سائر العبادات، فيها فوائد أخروية، وهي العامة، وفوائد دنيوية، وهي كلها تابعة للفائدة الأصلية [3] ."
وفي تقديري إن وظيفة التعليل هي خلع المعقولية على الأحكام الشرعية كمظهر من مظاهر الإفادة التي ينطوي عليها الشرع الإسلامي. و لا غرو في دلك فالنهوض بواجب تدبر دلالات خطابه و التبصر بمقاصد أحكامه يبين أن السؤال الأساسي في تعليل الأحكام هو سؤال استفادة من الشريعة، لأنها لو لم تكن معللة لكانت لهوا وعبثا بتنزه الشارع بطبيعة الحال عنهما. فالشريعة رحمة لقوله تعالى:"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". وظاهر الآية عموم مراعاة الشارع للمصالح الإنسانية فيما شرع من الأحكام، فلو أرسل بحكم لا مصلحة للناس فيه"لكان إرسالا لغير الرحمة لأنه تكليف بلا فائدة. ليس اللهو والعبث من المعقولية التي يدرك بها العالم المصالح المقصودة في الشريعة والمصالح الموجودة في واقع حياة الناس. مصالح تارة يدركها و"
(1) علل الشرايع، ص:257، طبعة دار البلاغة 1966 نقلا عن الفكر المقاصدي للرسوني ص 50.
(2) إحياء علوم الدين 1/ 160.
(3) الشاطبي ي المافقات الموافقات 2/ 400، وينظر أيضا أمثلة أخرى في المصدر نفسه 2/ 26 و 137 - 138 و 2/ 302 و 399 و 1\ 201.